أمّا بعد .. (غزّة بين الذكرى والذاكرة .. الحلقة 10 والأخيرة)
قلم: ذ. عبد الوهاب الفغري
أمّا بعد ..
لقد كان مقدّرًا لفاجعة غزّة أن تقع في سلسلة ما وقع لها منذ بدء ظاهرة الكيان الصهيوني بأرض فلسطين. فكان لغزّة مع قطاعها ما اشتركت فيه مع المناطق الفلسطينية الأخرى. وكان لها تميّزها داخل فلسطين.
قدّرت الفاجعة كابتلاء وامتحان إلهيّ. ليبلو الله المجاهدين والصابرين، ويحقّ القول على الكافرين وعلى الظالمين وعلى المنافقين ..
وقدّرت الفاجعة لتعرّي مدى شرّ الكيان الصهيوني على العنصر الإنساني. ويرى الغرب بفئاته رأي العين صنائع حليفه. وأنّ النّزاع في المنطقة ليس على ما يتصوّره كصراع قوميتين وكفى، أومسألة إرهاب للمقاومة، وأنّ هذا الغرب، قديمًا وحديثاً، له مسؤولية كبيرة فيما يجري في فلسطين، لأنّه هو منشئ الكيان المزعوم على أرض فلسطين وعلى حساب شعبها.
وقدّرت الفاجعة لتثبت بسالة المقاومة وجدواها ومصداقيتها وصبرها وصبر هذا الشعب. وأنّ حركة المقاومة الإسلامية حماس، وغيرها من الفصائل الممانعة، ليسوا تشكيلات سياسية حزبية فحسبْ. لكنّهم يمثلون التحامًا جهاديًا من القاعدة إلى القيادة، إلى حين تحرير فلسطين.
وكانت الفاجعة قدرًا، لتسقط باقي أوراق التوت عن الخطّ الفلسطيني المنحرف عن سبيل المقاومة الجادّة، وعن النظمة العربية المخزية، لاسيما النّظام المصري والنّظام الأردني وحكّام الخليج. ومسارعتهم في ممالأة الكيان الغاشم، والغرب المتواطئ الذي تتزعمه الولايات المتحدة الأمريكية.
وكانت الفاجعة قدرًا، لتحرّك الضمير العربي والإسلامي والعالمي وتزيد الفلسطينيين مزيدًا من التلاحم والممانعة، وتربط كلّ العرب بالقضية الفلسطينية. وكذا المسلمين. وليتحرّك العديد من الشرفاء في العالم لأجل القضية الفلسطينية. وتصير عند بعضهم شغله الشاغل، ورسالته الأولى في هذه الحياة.
وأخيرًا سارت المؤامرة والكارثة إلى نهاياتها لتنجلي عن فداحة الكارثة البشرية وشراسة الكيان الصهيوني. فكان ممّا جلّته المؤامرة:
ـ عجز المنظمات الأممية، ليس إلى درجة الحياد فحسبْ، بل إلى درجة التواطؤ. وهذا ما يثبت باستمرار عدم مصداقية هذه المنظمات وخضوعها باستمرار للإدارة الأمريكية. وقد كان هذا من أهداف تأسّسها أصلاً. وفي مقدّمتها هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن.
ـ تخلي الأنظمة العربية عن الفلسطينيين في أحلك الظروف. وهذا دأبهم باستمرار. مع تواطؤ بعضها مع الكيان الغاصب والإدارة الأمريكية وفي مقدّمتها النّظام المصري والنّظام الأردني وحكام الخليج. وكانت الرغبة الموحّدة بين هذه الأنظمة والكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة إلى السلطة الفلسطينية. رغبة التخلص من حركة المقاومة الإسلامية حماس. التي أضحت عاملاً لا يختزل في المعادلة الفلسطينية.
ـ فشل الخطة الصهيونية الدولية العربية الفلسطينية في القضاء على المقاومة وعلى الظاهرة الغزّاوية. وقد استمرت الكارثة أسابيع مهولة في يأس من أيّ شيء لتغيير الظاهرة. بل انجلت عن فدائح بشرية ومادية وعمرانية في شأن المدنيين. ولم يتمرّد الشعب في غزّة ولا في قطاعها ولا في فلسطين على المقاومة، كما كان مزعومًا.
ـ استمرار حركة المقاومة الإسلامية حماس والمقاومة الجادّة، مع ازدياد المصداقية. مع الفشل الذريع في الفتك بزعماء المقاومة، أو القبض عليهم، أو إجلاءهم عن فلسطين، كما كان مؤمّلاً.
ـ تحقيق التلاحم بين فئات الشعب الفلسطيني بعد الكارثة التي كان لكلّ منها نصيب. وارتباط الشعب بالمقاومة. والتعويل على المقاومة والخطّ الجهادي من أجل تحرير فلسطين. وليس العروض الأمريكية.
وتبقى غزّة في طليعة الكفاح الفلسطيني نضالاً وممانعة وجهادًا. ونموذجًا للمقاومة والمثال في فلسطين والبلاد العربية. وفي العالم.