انتهاء التهدئة والإعداد للعدوان (غزة بين الذكرى والذاكرة الحلقة 4)
قلم: ذ. عبد الوهاب الفغري
بحلول يوم الجمعة 19 دجنبر من عام 2008م تكون الأشهر الستّة للتهدئة بين الكيان الصهيوني وحركة حماس قد انتهت، ولم يتوصّل الطرفان إلى أيّة صيغةٍ لتمديدها. فقد خرقتها، (إسرائيل) بعدّة هجمات على القطاع منذ شهر نونبر المنصرم، قتل فيها ما يزيد على 15 فلسطينيًا. فردّت حماس بإطلاق ما يزيد على 200 صاروخ على المناطق المجاورة للقطاع إضافة إلى انتهاكات متعدّدة للسلطات الصهيونية طيلة فترة التهدئة للفلسطينيين منها اعتقال 1586 معظمهم من الضفّة الغربية، وهدم أزيد من 60 منزلاً ومنشأة وخيمة اعتصام للفلسطينيين.
وقد دفع التصعيد من جهة المقاومة والإصرار على مطلب فكّ الحصار، قادة الكيان الصهيوني إلى التصريح بمواقف تبدي تبييت العدوان: من ذلك دعوة وزير المواصلات شاؤول موفاز إلى تبنّي خطة محكمة لاغتيال قادة حركة حماس في غزّة، ودعوة النّائب الأوّل لرئيس الحكومة حاييم رامون إلى القيام بعمل عسكري، ليس بالضرورة إعادة احتلال القطاع "من أجل إسقاط حكومة حماس". وقال إنّ إنهاء نظام حركة حماس في غزّة هو قرار استراتيجي يجيب أن يتخذ، مضيفاً أنّ التهدئة عزّزت حماس وأضعفت إسرائيل عسكريًا وديبلوماسيًا على حدّ سواء "ما يستوجب استخلاص العبر وتغيير إسرائيل لسياستها تجاه الوضع". أمّا رئيس الحكومة إيهود أولمرت فقد صرّح بأنّ المواجهة العسكرية الحاسمة مع حماس باتت خيارًا لا مناص منه.
غير أنّ إيهود باراك وزير الدفاع الصهيوني كان أكثر تحفظاً وتريّثاً لإدراكه أنّ تنفيذ عملية عسكرية واسعة النّطاق في القطاع سوف يسفر عن مصرع عددٍ كبير من الجنود، وهو ما يثير الانتقادات الدّاخلية ويسكل المزيد من الضغوط على الحكومة القائمة إلى التضايق من موجة الانتقادات العالمية للكيان الصهيوني فيما لو سقط ضحيّة العملية عددٌ كبيرٌ من المدنيين الفلسطينيين. وهو أمرٌ لا مفرّ منه.
أمام هذه الخيارات الصعبة، أصبحت المسألة الأكثر سيطرة على تفكير القادة الصهاينة: ما الذي يمكن فعله إزاء حركة حماس؟
فممّا لاشكّ فيه أنّ استمرار إطلاق مقاتيلها الصواريخ على المدن والضواحي القريبة من القطاع مثل سديروت وغيرها يثير رعب السكان ويجعلهم في حالة مستمرة من انعدام الشعور بالطمأنينة والأمن.
من جهتها وجدت حماس أنّ الاتفاق يعدّ فرصة لالتقاط الأنفاس وتحسين شروط حياة المواطنين في القطاع، مع تأكيد السيطرة على الوضع الدّاخلي. إضافة إلى الأمل في إنجاز صفقة التبادل. فضلاً عن انتظار تطوّرات إقليمية ودولية، ربّما كانت في صالح خيار المقاومة والممانعة. ثمّ هناك ضرورات العلاقة مع مصر التي تدفع في الاتجاه المذكور، لاسيما أنّ الجغرافيا السياسية ما زالت تفرض على حماس مداراة القاهرة مهما كانت قناعتها بحقيقة موقفها المجامل للإسرائيليين والأقرب إلى سلطة رام الله، بل المنحاز إليها بشكل كامل. مصر بدورها كانت حريصة كلّ الحرص على التهدئة، في ذات الوقت الذي كانت تدرك فيه، تمامًا كما هو حال الصهاينة، بأنّ الشروط المنصوص عليها لن تطبّق. وفي العموم فالموقف المصري ـ آنذاك ـ يقوم على عدم السماح لحماس بالراحة في القطاع، بل تركها في وضع بين الحياة والموت، في انتظار فرصةٍ أفضل للتخلص من حكمها دون عنف. وبالطبع عبر انتخابات يمكن لـ "فتح" وحلفائها أن يكسبوها، وإن لم يكن بطريقة عادية، فمن خلال بعض التزوير .. وكذلك لكي لا يصل وضع القطاع إلى حدّ الانفجار الذي لن يكون إللا في الاتجاه المصري كما وقع قبل التهدئة بنحو ستّة أشهر، فيما عرف بانتفاضة المعبر.
لقد كان الطرفان المصري والإسرائيلي حريصين كلّ الحرص على تمديد اتفاق التهدئة، بل إنّ التهديدات التي وصلت لحماس عن طريق المصريين كانت بالغة الشدّة، وتتحدّث عن الإعداد لاغتيال رموز الطبقة القيادية الأولى في الحركة.
وقد كشفت صحيفة معاريف الإسرائيلية أنّ دولاً عربية قد طلبت من الدولة العبرية تنفيذ تهديدها باغتيال القادة المعنيين وتشديد الضغط على حماس. والمقصود الأوّل بهذا الذكر هو مصر التي باتت تعيش حالة عداءٍ غير مسبوقةٍ مع حركة حماس منذ رفض هذه حضور حوار القاهرة الذي كان مقرّرًا في شهر تشرين الثاني المنصرم.
إنّ ما تخشاه القاهرة هو التصعيد وصولاً إلى الاجتياح الذي قد يجابه بصمود كبير (هناك حديث عن أسلحة جديدة حصلت عليها حماس)، وخسائر في المدنيين، ويدفع الشارع المصري إلى التحرّك بعنف ضدّ النّظام. وهو احتمال يخشاه الصهاينة أيضًا، ليس في الشارع العربي، وإنّما في العواصم الدولية، في حال استمرّ الصمود لبضعة أسابيع. كذلك يجد الصهاينة أنفسهم على مشارف الانتخابات، ممّا يجعلهم في وضع لا يسمح لهم بالتصعيد والدخول في مغامرة سبقت الإشارة إلى محاذيرها الكبيرة.
أمام الأوضاع المتردية التي لا تزداد إلا سوءًا في القطاع، لم يكن الترجيح عند حماس يميل إلى مواصلة التهدئة: فالحصار بنفس الوتيرة وبفعله ونتائجه يخنق الفلسطينيين أكثر، مع اجتياحات إسرائيلية ذهب ضحيّتها عشرون شهيدًا. ومعبر رفح من الجانب المصري لم يفتح ولم يحصل حوارٌ بشأنه. كما أنّ النّظام المصري لم يزدد إلا سليية من حركة حماس والفلسطينيين، وكذا النظمة العربية المحسوبة معتدلة في المعيار الأمريكي. والسلطة الفلسطينية في الضفّة الغربية هي مع هذا الخطّ بالرغبة أو بالإكراه.
لأجل هذا، ولأجل ضغوطٍ من طرف الفصائل الأخرى، وعلى رأسها تنظيم الجهاد، فقد تمّ رفض تمديد التهدئة بذات الشروط السابقة. والتعويل على الاستعداد لأيّ احتمال، خصوصًا وأنّ الكيان الصهيوني في أوضاع لا يحسد عليها.
وقد أكّد أسامة حمدان، ممثل حركة حماس في لبنان، في مخيّم "نهر البارد" للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان أنّ "حماس" جزءٌ لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني. ولم تأتي لتلغي أحدًا، بل لتحافظ على المقاومة والثوابت، وهدفها الأساسي تحرير فلسطين، كلّ فلسطين، من الاحتلال. وشدّد في كلمة له في مهرجان حاشد نظمته حماس في ذكرى انطلاقتها الـ 21 أنّه رغم كلّ الحملات ما زالت الحركة تنبض بروح المقاومة والثبات، متجاوزة كلّ الاتفاقات الظالمة والاعتقالات والاغتيالات الظالمة بحقّ قادتها ورموزها".
ويوم 21/12/2008م واصلت الأذرع العسكرية للفصائل الفلسطينية إطلاق الصواريخ محلية الصنع على مستوطنات ومواقع عسكرية إسرائيلية محاذية للقطاع. وأصاب صاروخ في بلدة سديروت هدفاً إسرائيليًا.
وقال ناطقٌ باسم الجيش الإسرائيلي أنّ 49 صاروخاً وقنابل هاون قد أطلقت من القطاع على (إسرائيل) منذ انتهاء التهدئة.
من جانبه قال النّاطق باسم "سرايا القدس" الملقب "أبوأحمد" في بيان صحفي أنّ قصف التجمّعات الاستيطانية بعددٍ هائل من الصواريخ (هذا اليوم) جاء كردّ أولي على عمليات القمع والإرهاب التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي ضدّ الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية. وقد هدّدت حماس بعودة العمليات الاستشهادية واشترطت سحب التهدئة على الضفة الغربية ورفع الحصار على القطاع.
وفي ردٍّ على طلب روسيا صرّحت حماس بأنّ العدوّ الإسرائيلي هو المطلوب منه إعادة النّظر بالتهدئة.
ودعت حماس حركة فتح إلى إصلاح ذاتها لتوحيد القرار الفلسطيني وإنجاح المصالحة. وصرّحت بأنّ التهدئة انتهتْ، وبأنّ القادة اتخذوا خطوات وإجراءات وقائية تحسّبًا لحملة اغتيالات. كما اتهمت الأجهزة الأمنية في الضفة باعتقال 44 من أنصارها.
وفي يوم 22/12/2008م اشتدّ القصف الإسرائيلي والحصار، فأصيبت امرأة وأربعة فلسطينيين، وغرقت غزّة في الظلام، فيما توقفت عشرات المخابز وأصبح الفلسطينيون يبحثون عن الطعام في صناديق النفايات حسب صحيفة "الجارديان" البريطانية. وقد سجّل هذا اليوم وفاة الضحيّة 273. فيما صرّحت مصر بأنّه ليس لديها الرغبة ولا الإمكانية لتحمّل مسؤولية غزّة.
غير هذا فقد أصيب في ذات الوقت ثلاثة عناصر من كتائب القسّام في قصف. وقصفت طائرة "أباتشي" بصاروخين على الأقلّ تجمّعًا للمقاومين بالقرب من مسجد "المرابطين" في حيّ الشجاعية شرق مدينة غزّة.
وصحيفة "يديعوت أحرنوت" تورد بأنّ الكيان الصهيوني اتخذ قرارًا سريّاً باجتياح غزّة ما بين 09 و20 يناير القادم.
ومن هنا فقد اشتدّت انتهاكات الصهاينة بالمناطق الفلسطينية حيث هدمت المنازل والمنشآت، واعتقل أزيد من 1586 فلسطينيًا.
وفي يوم 23/12/2008م، قامت (إسرائيل) بتوزيع رسالة على أعضاء مجلس الأمن الدولي تشير فيها إلى حقّ الدفاع عن نفسها لمواجهة الصواريخ وفقاً للمادّة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
وفي يوم 23/12/2008م، قامت وزيرة الخارجية تسيفي ليفني بزيارة لدول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية ولدول عربية، لشرح موقف (إسرائيل)، ولأخذ موافقتهم بشأن العملية المزمع القيام بها في غزّة. وقد شرع في العملية بعد انتهاء زيارتها للقاهرة.