الأحد 20 مايو 2012
فلسطين استعصاء غزّة على الاحتلال الصهيوني (غزة بين الذكرى والذاكرة الحلقة 3)

استعصاء غزّة على الاحتلال الصهيوني (غزة بين الذكرى والذاكرة الحلقة 3)

قلم: ذ. عبد الوهاب الفغري

كان تطور الذات المناعية لغزة بطبيعة الحال هو الذي  فرض كل هذه التطورات.

فقد تكون فيها مبكرا تنظيم حماس بشكل عفوي طبيعي منذ نشوء حالة الكيان الصهيوني في السنوات الأربعينية من القرن العشرين الميلادي وتطور من خلال التغلغل الشعبي، في وقت كانت فيه منظمة التحرير الفلسطينية تناضل على الواجهة لكنها كانت تقع ضحية السياسات العربية غير المستقرّة وغير الموحدة. فأصابتها أحوال العياء والإنهاك والتراجع. غير أن المنظمة كانت مهيمنة في الضفة الغربية أكثر منها في أي منطقة أخرى. وقد ظهر في غزة أيضًا تنظيم الجهاد الإسلامي متأثرا  بنجاح الثورة الإسلامية في إيران وأوضاع لبنان وانتصارات المقاومة الإسلامية به، وبتراجعات منظمة التحرير الفلسطينية وعتوّ الطغيان الصهيوني.

فظهر التنظيمان الإسلاميان المجاهدان حماس والجهاد الإسلامي للعلن مع انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وكان لهما كثير الدور في الانطلاق وفي تأطيرها واستمرارهالمدّة سنوات أنهكت الكيان الصهيوني. وفاجأت حركة حماس الساحة بصمودها واستمرارها أوّلاً، ثمّ بضرباتها المتتالية للكيان الصهيوني. فقد استطاعت أسر جنود صهاينة في شتاء 1989م، وأبدعت حرب السكاكين ضدّ جنود الاحتلال سنة 1991م. وظهر جناحها العسكري كتائب عزّ الدّين القسّام رسميًا في نهاية 1991م، وفي سنة 1992م استطاعت أسر الجندي الصهيوني نسيم توليدانو. فتمّ عقب ذاك إبعاد 415 إطارًا من الحركتين، إلى مرج الزهور بالجنوب اللبناني. وقد أعطى هذا الإبعاد نصرًا سياسيًا وإعلاميًا للحركتين، وبرز من خلاله القادة الأفذاذ للكفاح الفلسطيني المتجمّد، منهم الشيخ القائد أحمد ياسين الذي اعتقلته السلطات الإسرائيلية، والشهداء القادة عبد العزيز الرّنتيسي وفتحي الشقاقي وإسماعيل أبو شنب وصلاح شحادة. ثمّ ظهر مجاهدون هزّوا كيان (إسرائيل) بقيادتهم لعمليات تصفية الصهاينة، منهم الشهداء عماد عقل والمهندس يحيي عيّاش ومحيي الدّين الشريف وأبو هنود.

وفي نفس الآونة التي ظهرت واشتغلت فيها كتائب القسّام، الجناح العسكري لحماس، ظهرت وتحركت كلّ من سرايا القدس، الجناح العسكري لتنظيم الجهاد وألوية النّاصر صلاح الدّين الممثلة للجان المقاومة الشعبية. فكان عمل هذه العناصر موفقاً في غزّة أكثر منه في أيّ منطقة أخرى.

استمرّت انتفاضة أطفال الحجارة سبع سنين أضنت الكيان الصهيوني. وكان لغزّة النّصيب الأوفر في صنعها واستمرارها وقيادتها.

فكانت هذه الأوضاع الصعبة أمام الكيان الصهيوني دافعًا قويّاً لقرار الولايات المتحدة الأمريكية و(إسرائيل) والحلفاء من الاتحاد الأوروبي وغيره بالتفكير في الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية وانتقاء من يعوّل عليه من عناصرها في التفاوض لأجل التسوية بشأن مسار القضية الفلسطينية وسدّ الطريق على الحركة الإسلامية المنبعثة من غزّة من أجل تحرير فلسطين، خصوصًا أنّ حركتيْ حماس والجهاد الإسلامي تتبنيان الحلّ الجذري لقضيّة فلسطين، وهو تحريرها الكامل من النّهر إلى البحر وإزالة (إسرائيل). وغزّة هي مربض هاتين الحركتين (الخطيرتين). بعد الذي وقع على جبهة العراق والخليج العربية من إنزال أمريكي لم يسبق له مثيل، كان له هدفان أساسيان: تأمين آبار النّفط وحماية الكيان الصهيوني. جاء مؤتمر مدريد لأجل الإجهاز على القضيّة الفلسطينية، ثمّ دورات أوسلو، ثمّ اتفاق ما سمّي (غزّة أريحا أوّلاً) بالرعاية الأمريكية سنة 1993م.

بعد كلّ هذه المفاوضات والإملاءات، انسحبت قوّات الاحتلال الإسرائيلي من غزّة، والصهاينة يتنفسون الصعداء، لتدخلها الإدارة الأمنية لسلطة أبي مازن سنة 1994م، فيما سمّاه المحللون "الاحتلال النّظيف" وإمساك غزّة بقفاز من قماش الشعب الفلسطيني نفسه، بدل إمساكها باليد الصهيونية الملوثة التي لا تزداد إلا تعفنًا.

أقام الاحتلال الإسرائيلي بغزّة منذ عدوان حزيران من عام 1967م إلى حلول اتفاق أوسلو سنة 1993م، وكأنّه على جمرة ملتهبة حيث أنّ رئيس الأركان العسكري إبّان الانتفاضة الفلسطينية اّّلأولى إسحاق رابين، وقد رأس حكومة الصهاينة مرّتين، صرّح بشأنها قائلاً: إنّي لأتمنّى أن أنام وأستيقظ فأجد غزّة قد ابتلعها البحر.

فكانت غزّة في طليعة أرض فلسطين التي فاوض الكيان الصهيوني العرب والسلطة الفلسطينية بشأنها لقاء تأمين أمنه في الاتفاق المذكور. زاد من معنويات المقاومة الفلسطينية الشعبية ومن مصداقية حركة وحماس وحركة الجهاد الإسلامي وألوية النّاصر صلاح الدّين؛ ومن وثوقهم من هزيمة الكيان الصهيوني، ما وقع لهذا الأخير بالجنوب اللبناني حيث نسفت مخططاته بلبنان على الجيش العميل بالجنوب، وخرج الكيان الصهيوني يجرّ أذيال الهزيمة في مايو من سنة 2000م تحت ضرب مقاومة حزب الله، من غير ما اتفاق إقليمي أو دولي أو شروط. وكذلك ما كان من قتل الجنود الصهاينة وأسر آخرين لأجل مبادلتهم بأسرى لبنانيين وفلسطينيين وعرب.

حميت العمليات الاستشهادية التي كانت موجّهة بالخصوص من غزّة، ومؤطرة بالحركتين، فأرعبت الكيان الصهيوني الجاثم على أرض فلسطين بكلّ فئاته. فاستطاعت هذه العمليات أن تصل إلى المواقع الحسّاسة عنده بما فيها مدينة القدس الغربية وتل أبيب.

حينما بدا للشعب أنّ السلطة الفلسطينية المنبثقة عن اتفاقية أوسلو وما تلاها لم يكن دورها إلا أمنيًا، إذ أصبحت مجهزة بـ 30 ألف رجل مسلح لمراقبة الفلسطينيين، زيادة على التوسّط في المنح المالية والتموينية المقدّمة من طرف الجهات الوصية على اتفاق أوسلو .. ومع تواصل آلية الاغتيال الصهيوني للقيادات الفلسطينية المعارضة والمقاومة من حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وارتفاع أعداد المعتقلين والبيوت المهدّمة والممنوعة من البناء أو الترميم، واشتداد الضغط والحصار على الشعب الفلسطيني، وازدياد نشاط العملاء .. عندئذٍ انطلقت الانتفاضة الفلسطينية الثانية سنة 2000م، وقد فجّرها الإرهابي أرييل شارون الذي أصرّ على تدنيس الحرم الأقصى بالمجيء إليه عنوة. لم يجرؤ الصهاينة على الإقدام عليه منذ الوجود الإرهابي العتيد شارون على الساحة السياسية والعسكرية والإجرامية الإسرائيلية منذ عقودٍ من الزمن امتدّت إلى ما قبل إنشاء دولة الكيان الصهيوني.

أقبل شارون على خرق الاتفاقيات التي اعتبرت تحت غطاء دولي وبرعاية أمريكية. وباشر خططه باغتيال الزعامات الفلسطينية المقاومة، ومنهم شيخ الشهداء أحمد ياسين وعبد العزيز الرّنتيسي وإسماعيل أبو شنب وصلاح شحادة وأبو هنود .. وهم قادة حماس. وباشر اغتيال زعيم الكفاح الفلسطيني قائد منظمة التحرير الفلسطينية وأكبر شريك في اتفاقيات (السلام) ياسر عرفات.

لكن بالرغم من الشراسة الشديدة لشارون وصقور الليكود، فقد قدم هذا الأخير خطة للانسحاب من غزّة بإخلاء المستوطنات منها بتاريخ 12/02/2004م. وكان الكيان الصهيوني قد أقام بها 25 مستوطنة يقيم بها 7781 مستوطناً. فقام الكيان الصهيوني بهدم كلّ هذه المباني عند انسحابه هذا بعد إقرار الكنيست الإسرائيلي بخطة الإخلاء والتخلي عن غزّة في 16/02/2005م. فانتهى الوجود الصهيوني بها بتاريخ 12/02/2005م. وبقيت (إسرائيل) مسؤولة عن تزويدها بالكهرباء والوقود والماء وفق الاتفاقيات المبرمة سابقاً.

في هذه الفترة أصيب شارون بالمرض العضال، وكان قد دبّ الخلاف بينه وبين صقور الليكود، حيث اتهمه هؤلاء بالتنازل والتراجع. فلجأ إلى تأسيس حزب جديد يأخذ مسارًا (واقعيًا) في التعامل مع الأوضاع الجديدة. طاوعه فيه زعيم حزب العمل السابق شمعون بيريز، فانضمّ إليه مع مندوبة مخابرات الموساد تسيفي ليفني وإيهود أولمرت الذي أخذ موقع شارون في رئاسة الحكومة وزعامة الحرزب الجديد المسمّى (قاديما) أي قدمًا أو إلى الأمام. بينما هلك شارون سريرياً وسياسيًا. وواصل بنيامين نتنياهو قيادة الليكود، الشاروني أصلاً. وواصل إيهود أولمرت قيادة قاديما الشاروني المعتدل.

بعدما قاطعت الحركة الإسلامية انتخابات المجلس التشريعي سنة 1996م، عادت حركة حماس فشاركت في انتخابات سنة 2005م. وفي 26/01/2006م. حققت الحركة فوزًا بيّناً بتحصيل 76 مقعدًا من أصل 132 مقعدًا. وهذا ما خوّل لها أغلبية المجلس، وذلك بالرغم من كون المجلس أسّس على أساس اتفاقية أوسلو. وهو مارفضته حركة الجهاد الإسلامي.

وقد أمعنت الآلة الصهيونية بأجهزتها السريّة والعلنية في اغتيال قيادات وأطر الحركة الإسلامية. وشككت هذه الأخيرة في أجهزة أمن السلطة الفلسطينية التي أبدت تعاونها  مع أمن الاحتلال الصهيوني.

الشيء الذي حذا بحركة حماس إلى العمل على تطهير غزّة على الأقلّ من أجهزة امن السلطة المتعاونة مع الآلة الصهيونية. وقد كان الضابط محمّد دحلان في طليعة هؤلاء المتهمين، يتوفر على مكتب إداري ومكاتب أمنية بغزّة.

وقد سبق التشكيك في عمل المسؤول جبريل الرجّوب في ما جرى بجنين في انتفاضة عام 2000م حيث جرى ذبح 200 فلسطيني دفعة واحدة، وفي ما جرى بكنيسة المهد في بيت لحم.

وصارت ظاهرة العملاء معضلة أخرى تشاق الشعب والمقاومة الفسطينية. في يوم 25/06/2006م، تسللت عناصر من كتائب القسّام عبر الحدود فقتلت جنديين من الإسرائيليين وأصابت آخرين، وقبضت على الجندي المجنّد من أصل فرنسي جلعاد شاليط. فاقتادته إلى الاحتجاز بغزّة حيث ارتهن لسنوات متتالية في يأس من الجيش والأمن الإسرائيلي والعملاء ومن إمكانية العثور عليه بالقوّة أو الضغط أو المفاوضات، إذ اشترطت حركة حماس مبادلته بـ 1400 أسير في سجون الكيان الصهيوني.

سعى الكيان الصهيوني من أجل استئصال حماس التي تمثل رأس الحربة في ذلك. فحاول جعل ذلك من السلطة الفلسطينية وأجهزتها بغزّة. لكن حماس فطنت للأمر فسارعت إلى السيطرة على أجهزة السلطة بغزّة حيث عديد من المتنفذين وعلى رأسهم محمّد دحلان الذي شكل رجل الصهاينة الفلسطيني بامتياز. واستطاعت حماس الحصول على العديد من الوثائق التي تشهد على المؤامرة. وقد شاقت حماس الكيان الصهيوني وحلفاءه في غزّة مع مدى ذلك على عموم فلسطين، مثلما شاقه حزب الله في لبنان بانتصاراته المتصاعدة مع صدى ذلك على فلسطين أيضًا. فكانت الهزيمة النّكراء في الواجهة اللبنانية متآنية مع ما وقع في غزّة.

أدّت هذه الهزائم إلى اختفاء رؤوس الكيان الصهيوني: رئيس الأركان موئي قصّاب ورئيس الأركان المسلحة عامير بيرتس ورئيس الحكومة إيهود أورلمرت. وقد توبعوا في قضايا أخلاقية. فضلاً عن الموت السريري لأرييل شارون. وهو ما جرى للحكومات السابقة التي أسقطتها هزائم الكيان الصهيوني وخيبته في كلّ مسعى يروم فيه التفوّق أو التوسّع، مثلما جرى لحكومة غولدا مائير في حرب رمضان سنة 1973م، وبعدها إسحاق رابين، وحكومة مناحيم بيغن في اجتياح لبنان سنة 1982م، وحكومة إسحاق رابين عقب الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وحكومة نتنياهو عقب الانتفاضة الفلسطينية الثانية.

أمام هذه الانهزامات لجأ الكيان الصهيوني إلى إجراء الحصار على غزّة برّاً وبحرًا وجوّاً، فأمعن في ذلك في شهر يونيو 2007م، حيث تمّ منع دخول المحروقات والكهرباء والكثير من السلع، ومنع الصيد في عمق البحر، وغلق المعابر، وأغلقت مصر معبر رفح، ومنع دخول الأدوية أيضًا.

إضافة تعليق


Security code
تغيير رمز الحماية

  • جميع الحقوق محفوظة لموقع سراج نت 2005-2012
  • المقالات والآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع