الحيثيات التاريخية والجغرافية لغزّة (غزة بين الذكرى والذاكرة الحلقة 2)
قلم: ذ. عبد الوهاب الفغري
تعتبر مدينة غزّة الفلسطينية من أعرق مدن التاريخ إلى جانبي أريحا الفلسطينية ودمشق السورية. فقد ذكرت منذ أزيد من 3000 سنة في فترة وجود الفرعون المصري تحتمس الثالث بفلسطين حيث جعلها قاعدة لجيشه في الحرب على سورية. وورد اسمها في رسائل تلّ العمارنة بعد الاحتلال الفرعوني بـ 300 سنة.
وقد تعاقبت على حكمها أو احتلالها الدول التي دخلت فلسطين بعد الكنعانيين الذين مثلوا السكان الأصليين لعموم فلسطين. من هذه الدول الفينيقيون والمصريون والعاشوريون والبابليون والفرس والعبرانيون والإغريق والرّومان والبيزنطيون. ثمّ لحقت بحكم الغساسنة العرب بإشراف الرّوم. ثمّ دخلها الفتح الإسلامي بعد معركة اليرموك في أواخر العقد الثاني من الهجرة النّبوية في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وقد كانت تعرف بغزّة هاشم نسبة إلى هاشم بن عبد مناف جدّ النّبي، محمّد صلى الله عليه وسلم، الذي كان يحلّ بها كثيرًا إلى أن توفي ودفن بها.
وقد شكلت غزّة وقطاعها موئل هجرات قديمة لسكان جزر الجزء الشرقي للبحر الأبيض المتوسط وأهمّها جزيرة كريت.
كما كانت تمثل التقاء تجاريًا وأحيانًا سياسيًا وعسكريًا للطرق بين الشام والحجاز، وبين فلسطين ومصر، وبين آسيا وكلٍّ من أفريقيا وأوروبا، وبين برّ الهلال الخصيب، شامه وعراقه، وساحل وبحر الأبيض المتوسط.
سقطت إثر حملة نابليون بونابارت على مصر، لكنّه تراجع عنها بعد انهزامه في الساحل الفلسطيني أمام مقاومة أحمد الجزّار والظاهر عمر.
بقيت غزّة تابعة للدولة العثمانية إلى حين مجيء الإنجليز، فدخلتها القوّات البريطانية عنوة سنة 1917م مع مجيء القائد الإنجليزي اللينبي.
وقد وضعها الصهاينة ضمن مخططاتهم القاضية بالشروع في تهويد فلسطين تحت المظلة البريطانية ريثما يتسنّى لهم التمكن فتخرج بريطانيا من المنطقة.
غزّة الآن هي أكبر مدن فلسطين سكاناً، والثانية بعد مدينة القدس من حيث المساحة. يجاوز عدد سكانها نصف مليون نسمة.
أمّا المحافظة فتنيف على المليون نسمة. وقد جاوز عدد سكان القطاع المسمّى بها سنة 2009م مليوناً وستّ مائة ألف. وتضمّ مدينة غزّة بالنّسبة لقطاعها 60 بالمائة من السكان. ويعتبر قطاعها من أكبر مناطق فلسطين كثافة سكانية.
كما أنّ مدينة غزّة تعدّ من أكثر مدن العالم كثافة حيث الكثافة السكانية بمدن القطاع تسجل معدل 26.400/كم مربع. بينما معدل كثافة السكان بالمخيّمات يصل إلى 55000/كم مربّع.
وقد لجأ إليها عقب العدوان الإسرائيلي التوسّعي سنة 1948م 200 ألف فلسطيني. وتقاطر عليها اللاجئون الفلسطينيون من المناطق المجاورة، وعلى قطاعها عقب كلّ عدوان إسرائيلي، فأصبحوا يشكلون أغلبية السكان.
تمتدّ المدينة إلى حدود سنة 2009م على مساحة 128كم²، ويمتدّ القطاع على مساحة حوالي 360كم². فتمثل مدينة غزّة بمعطياتها وأدوارها وأهميتها العاصمة الثانية لفلسطين بعد مدينة القدس.
يضمّ الآن قطاع غزّة 44 تجمّعًا سكنيًا أهمّ مدنه: مدينة غزّة وخان يونس ودير البلح ورفح وأمّ الكلاب وبيت حانون وبيت لاهيا.
وأهمّ البلدات والقرى: خزاعة والمصدر والزويد وعبسان الكبيرة وعبسان الجديدة والقرارة وبني سهيلة.
ومن المدن المتاخمة لقطاع غزّة الجزء المصري من مدينة رفح وبئر السبع والعوجا وبيت عوجا. وتقع شمالها مدن عسقلان ومجدل ثمّ يافا ومخيّم جباليا. وأقرب مدن من الضفة الغربية إليها مدينة الخليل. وتوجد قريبًا منها مدينة سديدروت المشيّدة من طرف الصهاينة.
وتبعد غزّة عن تلّ الربيع (تل أبيب) قاعدة الكيان الصهيوني والمعتبرة عاصمة مؤقتة له والمشيّدة على أنقاض جزء من مدينة يافا وضاحيتها بـ 75كم².
من حيث الموقع الجغرافي تقع مدينة غزّة في نقطة التقاء خطّ الطول 34 وخطّ العرض 31. يصل فيها معدّل درجة الحرارة صيفًا إلى 38 درجة مئوية. ويناهز معدّل الحرارة السنوي فيها 20.3 درجة مئوية. أمّا معدّل تساقط المطر السنوي فيها ما بين 350مم و400مم.
في المدينة خمس جامعات تضمّ أزيد من 40 ألف طالب. وفيها مساجد كثيرة، أعرقها الجامع العمري ومشجد السيّد هاشم. وبها كنيستان عريقتان إحداهما أرثوذكسية وأخرى كاثوليكية.
كم تضمّ أحياءً كبيرة غاصّة بالعمران، أشهرها: حيّ الشجاعية والتفاح والرمال والنّصر والزيتون والشيخ رضوان وحارة الدرج.
وقد أطبق عليها الاحتلال الإسرائيلي الحصار من كلّ جانب فجعلها تتصل بالعالم عبر معابر محدودة، أهمّا معبر بيت حانون بالجنوب المفضي إلى مصر، ومعبر المنطار المشدّد عليه صهيونيًا.
عندما انسحبت بريطانيا من فلسطين سنة 1948م حاولت العصابات الصهيونية المسلحة الاستيلاء على أكبر عددٍ ممكن من أرض فلسطين، فتمكنت من الشريط الساحلي وجزءٍ من منطقة الجليل ومن النّقب ومن القدس الغربية، وحاولت الاستيلاء على قطاع غزّة، لكنّ القوّات المصرية صدّتها فجعلتها تحت الهيمنة المصرية ولم تستطع العصابات الصهيونية دخولها.
وجاء العدوان الثلاثي على مصر من طرف الكيان الصهيوني وإنجلترا وفرنسا سنة 1956م بسبب تأميم قناة السويس، فاحتلت غزّة مع قطاعها من طرف الصهاينة. ثمّ جرى الانسحاب منها لتعود إلى السيادة المصرية.
فالبرغم من كون السياسة الصهيونية قائمة على التوسّع وفكرة "أرض إسرائيل من الفرات إلى النّيل" فإنّ غزّة كانت دائمًا تشكل للصهاينة شوكة في الحلق واشتثناءً بالنّسبة للأراضي المحتلة. إذ لم يثبت عن الكيان الصهيوني أنّه انسحب من أيّ أرض احتلها بالطواعية أو القانون الدولي، أي منطق الأخذ والعطاء. فقد احتلت أراضي بالقوّة سنة 1948م، وسيناء والجولان والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، واستمرّ الكيان الصهيوني في ضمّها حفاظاً على أمنه ولأجل توسّعه.
ثمّ دخل لبنان مصرّاً على ضمّ جنوبه للاحتلال الإسرائيلي، ولكنّه خرج منهزمًا بقوّة المقاومة.
كذلك غزّة فقد شكلت على الدوام ممانعة للكيان الصهيوني ملغية فكرة دولة أو شعب إسرائيل على أرض إسرائيل، من الفرات إلى النّيل، أو من النّهر إلى البحر. فكلّ هذه الأهداف أو الأحلام جعلتها غزّة ملغاة عند الصهاينة. ولو أن تتحرّر غزّة وحدها !
فقد امتنعت عن الصهاينة سنة 1948م. واحتلت عام 1956م فعادت إلى التحرير بعد شهور. واحتلت في 1967م، ومازالت تمانع ضدّ الهضم الصهيوني حتى وقع الانسحاب الإسرائيلي بإذعان من أشرس حكام الصهاينة وهو أرييل شارون وحزب الليكود !
يرجع هذا إلى عوامل مختلفة منها الظروف التاريخية والجغرافية لغزّة، فقد استعصت من قبل على الغزاة من الرّومان إلى نابليون والإنجليز، وانفتاحها جغرافيًا على البحر والصحراء وشبه جزيرة العرب ومصر، وعدم وجود الأقليات غير المسلمة بها، بمعنى أنّها تتكوّن من تكتّل سكاني منسجم ومندمج، فلا سبيل إلى الطائفية التي يوظفها العدوّ. وغير هذا فقد تواجدت الحركة الإسلامية بغزّة وتطوّرت بها أكثر من غيرها من مناطق فلسطين، واستطاعت أن تؤطّر السكان وثؤثر فيهم وتعبئهم. ومن أشهر التنظيمات الإسلامية بها حركة المقاومة الإسلامية حماس وحركة الجهاد الإسلامي، وفي المقابل فقد كانت أقلّ تأثرًا برياح العلمانية والشيوعية والليبرالية والقومية ... هذه التيّارات التي لم تستطع أن تصمد أمام النّوازل المتتالية التي شهدتها القضيّة الفلسطينية.