الأحد 20 مايو 2012
فلسطين غزة بين الذكرى والذاكرة (الحلقة 1)

غزة بين الذكرى والذاكرة (الحلقة 1)

قلم: ذ. عبد الوهاب الفغري

منذ إنشاء الكيان الصهيوني الغاصب على أرض فلسطين وهو يعاني مشاكل جمّة تظلّ تهدّد وجوده باستمرار. وقد كان ذلك طبيعيًا لأنّه لم  ينشأ نشأة طبيعية مثل أيّ كيان آخر. وإنّما نشوءه جاء لظروف متقاطعة ومتظافرة. الشيء الذي يجعله رهين هذه الظروف مع أسبابها ونتائجها. فضلاً عن أنّه قام على التزييف والقهر والمؤمرات والمناورات والضغوطات هنا وهناك.

ومن المشاكل الكبرى التي يعاني منها هذا الكيان مشكل الأمن الذي ما انفكّ يقضُّ مضجعه باستمرار، خصوصًا وأنّه أتى بالمهجّرين من اليهود والمتهودين تحت دعاية الوطن البديل والحلم الموعود. ممّا يجعل كلّ من يصل إلى فلسطين على هذا الأمل يصاب بالخيبة والإحباط والتفكير بالعودة من حيث أتى والبحث عن حلم آخر في غرب أوروبا أو شمال أمريكا.

ومن كبرى خيبات دعاة الصهيونية أنّهم لم يستطيعوا إنشاء إسرائيل الموعودة التي تستطيع أن تستوعب كلّ يهود العالم، ولا اتخاذ القدس عاصمة لها، إذ ظلت "تلّ أبيب" تشكل العاصمة المؤقتة إلى أجل غير مسمّى، ولا تدشين أو الحصول على الهيكل المزعوم، ولا ترصيص حدود معترف بها داخليًا أو خارجيًا، ولا لإقامة دستور واضح، ولا تحقيق الأمن للمقدمين والوافدين كمواطنين، ولا إقامة جيش نظامي يوثق بكفاءته، إذ يظلّ التجنيد الإجباري والاعتماد على التطوّع هو المعتمد أساسًا، ولا ضمان اقتصاد وطني ثابت، فالدعم الخارجي هو السند الأكبر للاقتصاد .. وغير هذا كثير من عوامل الاستقرار والتطوّر غير المحققة. وعمومًا.  فإنّه لا شيء يدلّ على وجود دولة أو مشروع  دولة، سوى حالة من وضع قسري إعلامي مصطنع تقوم عليه الولايات المتحدة الأمريكية بالأساس، وتدعمه دول تدور في فلكها نظرًا لتقاطع مصالح عدّة مشتركة. فلا يصل هذا الوضع حتى إلى دولة فيتنام الجنوبية البائدة والمصنوعة أمريكيًا كمشروع في بلاد الهند الصينية، أو دولتيْ الميز العنصري المبثوثتين غربيًا في جنوب أفريقيا وزيمبابوي سابقاً.

ومع كلّ هذا الظلام الدامس في طريق الكيان الصهيوني فإنّه قد نجح إلى حدٍّ ما في الإطباق على فلسطين والتوسّع على حساب البلدان العربية المجاورة، وفي اختراق الأنظمة والدول العربية كلية سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا وأمنيًا، وعلى مستويات عدّة، وفي بثّ الفرقة العربية وعرقلة أيّ مشروع وحدويّ أو نهضوي عربي. بل واختراق منظمة التحرير الفلسطينية والتأثير على مسارها. فتوالت ويلاته بفلسطين من حيث الاغتيال والتشريد والاعتقال والإبعاد والحصار والإنهاك للشعب الفلسطيني بشكل يوميّ منذ عقود. بل لقد استطاع أن يجعل من أنظمة عربية وقيادات فلسطينية حلفاء وعملاء ووكلاء وأعواناً له، بعد أن جعلهم في مرحلة سابقة في وضع الحياد. وهذا الذي أوصله إلى قمّة الغرور.

لكنّ الأقدار حكمت بوجود حالة "حزب الله" والمقاومة اللبنانية في الجنوب حيث تحطمت على صخرتها أضاليل الكيان الغاصب وأباطيله.

وفي الدّاخل الفلسطيني كانت غزّة، ومنذ احتلالها إبّان عدوان 1967م، ظلت صامدةً لم تستسغ لأيّ محاولة من الصهاينة. فأبطلت وللدّوام أسطورة أرض إسرائيل أو فلسطين الإسرائيلية كواقع. وفي محاولات عدّة لإلحاق غزّة بوضع الضفة الغربية فإنّ ذلك لم يقع. فحتى الجغرافيا لم تسعف بذلك، لأنّ غزّة لاتجاور الأردن الذي كان يقوم بدور العرّاب  مع الضفة، ولا اتصال مباشر بين غزّة والضفة الغربية. ثمّ كانت المحاولات لإلحاق غزّة بالإدارة المصرية للتخلص من وعثائها .. لكنّ ذلك لم يحصل. حيث بقيت بقطاعها الذي يضمّ مدناً وبلدات عدّة في استقلال بيّن، إلى أن فرضت التحرير الإلزامي والجلاء على الاستيطان الصهيوني والاستقلال على إدارة رئيس منظمة التحرير الخاضعة لإملاءات الخصوم. وسلمت غزّة أكثر من غيرها من أيّ فعل للمخابرات والتجسّس والاختراق والعمالة. وإنّما في المقابل قدّمت خيرة المجاهدين والشهداء، وأكبر الملاحم في المقاومة والممانعة. ممّا يجعل منها القدوة والأسوة في ذلك. فلو أنّ المناطق الفلسطينية كلها حذت حذو غزّة في ذلك لتعجّل أمد تحرير فلسطين وبالكامل. والله غالب على أمره.

يتبع

الحيثيات التاريخية والجغرافية لغزّة
استعصاء غزّة على الاحتلال الصهيوني
خيار الحصار وجدار العار
تضامن عالمي مع غزّة المنكوبة، بما في ذلك الأوساط الغربية الحرّة
 المحرقة في سلسلة الجنون الصهيوني
انتهاء التهدئة والإعداد للعدوان

التعليقات 

 
0 #1 تذكيرELMELLAJ 2011-12-29 11:22
كتاب جاء لإحياء  الرحم مع إخوتن ا في غزة وعموم  فلسطين المباركة . وللتذكير بأن ا لكيان الصهيوني  لن يهدأ بال إلا  بإبادة هذا الش عب الصامد، إلا  أن غزة كانت تشك ل تلك العقبة ال وكداء في طريق أ حلامه الاستئصال ية. 
اقتبس
 

إضافة تعليق


Security code
تغيير رمز الحماية

  • جميع الحقوق محفوظة لموقع سراج نت 2005-2012
  • المقالات والآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع