السياسة
مستقبل الوحدة في ذكرى الوحدة
قلم: معن بشور*
لم تجتمع لأمة أو إقليم أو قارة أسباب تدعوها إلى الوحدة كما تجتمع اليوم للأمة العربية، ولم تواجه أمة أو إقليم أو قارة معوقات، داخلية وخارجية، تحول دون وحدتها كما واجهت الأمة العربية، وما تزال، على مدى عقود وربما قرون.
ورغم إن الكثر يتحدث اليوم عن اتفاقية سايكس – بيكو القديمة والمتجددة، وقانونها القائم على التفتيت الدائم للأمة، ورغم أن الجميع بات مدركاً لحجم ارتباط الوجود الصهيوني – الاستعماري بإقامة حاجز موضوعي يحول دون وحدة الوطن العربي، كما بإدامة مشروع التمزيق المتمادي للمجتمع العربي بكل مكوناته، إلاّ أن هدف الوحدة العربية ما زال غائباً عن برامج وآليات العديد من القوى المناهضة للمشروع الصهيوني – الاستعماري، بل إن هذه القوى تتجاهل في أدبياتها وممارساتها هذه الحقيقة إلى درجة أن قوى عدّة باتت تمتلك الجرأة للمطالبة بإلغاء نص تقليدي أو روتيني في بعض الدساتير العربية بأن هذا البلد أو ذاك جزء لا يتجزأ من الأمة العربية.
ولا يكتفي الهاربون من مهامهم الوحدوية بالتذرع بما يسمونه "طوباوية" فكرة الوحدة العربية واستحالة تحقيقها، بل أنهم يتجاهلون أيضاً جملة حقائق لا بدّ من التذكير بها دائماً.
1 – إن التكامل الإقليمي (بلغة الخبراء) أو الوحدة العربية (بلغة أبناء الأمة) بات هو سمة العصر، إذا لا يمكن أن تكون معاصراً وعصرياً إذا لم تكن وحدوياً أو تكاملياً، تماماً كما لا يمكن أن تكون صادقاً في التزامك يتراث الأمة الروحي والحضاري إذا لم تكن ملتزماً بوحدة الأمة التي كان تمزيقها جزءاً من مشروع الانقضاض على هويتها وعقيدتها وحضارتها وثقافتها ولغتها.
2 – إذا كان الاستقلال الوطني والقومي (وقد بات اليوم أيضاً وجهة نظر خاضعة أيضاً للتأويل والتلاعب) المدخل لكي تعبر الأمة إلى التنمية المستقلة، والحرية والديمقراطية، وإلى العدالة الاجتماعية والتجدد الحضاري (وكلها عناصر رئيسية للمشروع النهضوي العربي)، فإن الوحدة العربية هي قاعدة هذا العبور خصوصاً بعد أن أثبتت تجارب الدول القطرية أن لا أمن قومي يتحقق، ولا تنمية اقتصادية تقوم، ولا ديمقراطية حقيقية تسود، ولا عدالة اجتماعية بين الأقطار وداخل كل قطر تترسخ، ولا تجدّد حضاري يعيد التواصل بين الأمة وتراثها من دون كيان عربي أكبر حاضن للكيانات الوطنية القائمة ومحترم لكل خصوصياتها.
3 – إن إثارة أي تناقض مصطنع بين الوحدة العربية وبين ما هو أصغر منها كالوحدة الوطنية، أو ما هو أكبر منها كالوحدة الإسلامية، لم يعدّ قادراً على الصمود في وجه مشروع نهضوي عربي رأى منذ زمن في الوحدة الوطنية مقدّمة للوحدة القومية، وفي الوحدة العربية طريقاً لوحدة إسلامية أوسع، بل إن مثل هذا المنطق قد انكشف تهافته مع التجارب التي أثبتت أن أعداء الوحدة العربية هم الذين ينتفضون اليوم على الوحدات الوطنية، وأن أعداء الإسلام هم أنفسهم أعداء العروبة.
4 – إن الوحدة العربية ليست فقط مطلباً لأمة تريد المنعة والقوة والنمو والبقاء في عالم لا مكان فيه للضعفاء، بل أنها كذلك الإطار الذي تستطيع من خلاله الأمة أن تعالج الكثير من قضاياها ومشكلاتها كمشكلات الحدود التي تشتعل حيناً بعد حين بين هذا القطر أو ذاك، أو كمشكلة الجماعات الإثنية غير العربية المتساكنة مع العرب في وطن واحد وأرض واحدة، ففي ظل وطن كبير يمكن أن تكون الأمة أكثر قدرة على التجاوب مع مطالب قومية محقّة لهذه الجماعات، كما تصبح هذه الجماعات أكثر انجذاباً للاندماج في كيان كبير قوي وغني وفاعل من بقائها منعزلة أو متقوقعة.
5 – إن الوحدة العربية وبعد كل التجارب التي مرّت بها (لاسيّما تجربة الوحدة المصرية – السورية التي نحيي ذكراها الرابعة والخمسين هذه الأيام) لم تعد دعوة لصيغة اندماجية يهيمن فيها القطر الأكبر على القطر الأصغر، والدولة الأقوى على الدولة الأضعف، بل باتت مشروعاً لاتحاد يبدأ كونفدرالياً ويتحول فدرالياً، بما يحترم واقع كل مكونات الاتحاد، دولاً أو جماعات، فيحقق المصالح الكبرى الإستراتيجية والسياسية والاقتصادية والثقافية للأمة دون أن يهمل احترام خصوصيات كل قطر أو جماعة أو مكوّن من مكونات الأمة.
6 – إن الوحدة العربية، وبعد كل التجارب التي مرّت بها، لم تعد هدفاً نتطلع إلى تحقيقه بين ليلة وضحاها، بل هي مسار متدرج تتكامل خطواته على كل صعيد، وفعل تراكمي متصاعد ينتقل معه الكم المشتت إلى نوع مُتجمّع، فلو نفذت جامعة الدول العربية مثلاً ألاف القرارات التي اتخذتها في ميادين الدفاع والأمن والاقتصاد والتجارة والمواصلات والانتقال والثقافة والتربية والعدل لوجدنا أنفسنا فعلاً أمام شكل من أشكال الاتحاد العربي الحقيقي الذي يستفيد منه كل العرب، أغنياؤهم وفقراؤهم، ولا يتضرر منه إلاّ أعداء العرب. ويكفي أن نذكر هنا قرار قيام سكة عربية واحدة من المحيط إلى الخليج، والذي اتخذته قمة الكويت الاقتصادية قبل عامين وما زال نائماً في الأدراج.
قد يبدو التذكير بهذه الحقائق نوعاً من السذاجة البعيدة عن الواقع، وشكلاً من أشكال الترويج لأوهام كاذبة، خصوصاً في ظلّ ما يحيط بأمتنا من مكائد ومخططات ومشاريع معادية، وما تعيشه أقطارنا من فوضى وصراعات وفتن عرقية وطائفية ومذهبية وقبلية وجهوية، وما نراه من مشاريع تقسيم بدأت تتحقق في بعض الأقطار، كما بدأت تطل برأسها في أقطار أخرى.
غير إن ما يبدو سائداً على سطح الأحداث لا يعبّر تماماً عن حقيقة ما يتحرك في أعماق مجتمعاتنا وشعوبنا، وما من دليل أقوى من هذا الحراك الشعبي الهادر على امتداد الأمة العربية والذي لم يتوقعه العديد من "المحللين الإستراتيجيين"، "ومحترفي اليأس" ممن أشبعونا أسئلة: أين أمتكم العربية، أين الملايين؟ حتى إذا تحركت هذه الملايين في الساحات والميادين، اندفعوا هؤلاء إما مهللين لها، وكان بعضهم يفاخر بانتمائه قبلها إلى بلاط السلاطين، أو ساعين إلى ركوب موجاتها بعد أن قضوا عمرهم زاحفين على أعتاب الطغاة، أو مشككين يتلهون ببعض السلبيات أو الاختراقات لإخفاء التحول التاريخي العظيم.
ولو عدنا إلى عام 1848، الذي شهدت فيه أوروبا بمعظم دولها، انتفاضات شعبية كالتي شهدناها، والتي نجح أعداء تلك الثورات في الانقضاض عليها أو تحويل مسارها أو تجويف مضامينها، فإن روح تلك الثورة وأهدافها الليبرالية والاجتماعية والقومية لم تخمد، ولعل أبرز انجازاتها السريعة كان الوحدة الألمانية ثم الوحدة الإيطالية بعد سنوات من تحقيقها، تماماً كما كان تطور بلدان أخرى نحو الأنظمة الديمقراطية هو الإنجاز الآخر بعد عقدين ونيف على تلك الثورات، ناهيك عن التطور المهم الثالث المتمثل بالثورات الاشتراكية التي بدأت مع البيان الشيوعي (1848)، ثم كومونة باريس (1870)، وصولاً إلى قيام الثورة البلشيفية عام 1917.
ومهما حاولت جهات أجنبية أدواتها الانقضاض على الحراك الشعبي العربي واختراقه وتحويل مساره والضغط على بعض قواها وإغراقه بالفوضى والفتنة والعصبيات المدمّرة، فإنهم لن يخمدوا المعاني الكبرى التي انطوى عليها.
إن الشعوب بدأت تحرّر إرادتها وتستعيد دورها في تقرير مصيرها وقد كسرت حاجز الخوف من حكامها، وبعد أن كسرت حاجز الخوف هذا من محتلي أراضيها عبر المقاومة، كما كان الأمر في فلسطين والعراق ولبنان، وقبلهم في ثورة الجزائر المجيدة ونضالات حركة التحرّر في كل أقطارنا العربية.
فكلّ تقدّم تحرزه الشعوب على طريق حريتها هو حتماً خطوة على طريق وحدة الأمة، وهذا ما نراه في بلدان المغرب العربي حيث تجري المشاورات الرسمية والشعبية لإعادة إحياء الاتحاد المغاربي العربي بعد أن أجهزت عليه لسنوات أنظمة متسلطة وقوى أجنبية تريد التدخل مع كل دولة من دول المغرب العربي على حدة.
ومن جهة ثانية فإن كل تراجع لنفوذ قوى الاحتلال والهيمنة هو إضافة إلى رصيد استعادة الأمة لوحدتها، برغم كل المظاهر المعاكسة والسائدة حالياً، فدحر الاحتلال الصهيوني من لبنان ثم ردعه، وهزيمة المحتل الأمريكي في العراق ثم مقاومة آثاره، والصمود بوجه الاحتلال في فلسطين وإرباك مشاريعه، كلها تسهم في فتح ثغرات في وجه أخطر السدود القائمة في وجه الوحدة العربية وهو السد الاستعماري – الصهيوني.
أما المناخ الدولي الجديد الذي ترتسم ملامحه هذه الأيام، عبر خروج قوى دولية صاعدة عن عصا الطاعة للهيمنة الأمريكية وقطبيتها الأحادية، وعبر تفاقم الأزمة البنيوية في دول الغرب الأطلسي بضفتيه الأمريكية والأوربية، فهو يذكّر بمناخ دولي قام في أواسط الخمسينات، خصوصاً مع حرب السويس 1956، على حساب امبراطوريتين استعماريتين متهاويتين وعلى يدّ قوى جديدة في العالم، وهو مناخ وجد في الأمة العربية آنذاك قيادات وحركات تستفيد منه لتؤسس الوحدة العربية الرائدة في العصر الحديث بين مصر وسوريا بقيادة جمال عبد الناصر وبإسهام من كل قوى التحرر القومي العربي وفي مقدمها حينذاك حزب البعث.
فهل تجد الأمة بين ظهرانيها اليوم قيادة أو حركة أو تحالفاً قادرين على فهم هذه التحولات الكبرى للانطلاق منها نحو الوحدة التكاملية بين قطرين أو أكثر في مشرق الوطن ومغربه، ولعلّ الخطوة الأولى على هذا الطريق يبدأ في تلاقي الوحدويين والنهضويين العرب في أطر عمل مشتركة، إذ لا يجوز أن نقول بالوحدة العربية ونرى "الوحدويين" بشتى عناوينهم متشردين متناحرين.
إن أسباباً موضوعية عديدة متوفرة اليوم، رغم مناخات الانقسامات الملتهبة والعصبيات المتأججة، (بل ربما بسببها) للقيام بخطوات وحدويّة تجسّد وحدة الشعب العربي التي برزت، كما لم تبرز من قبل، في موجات الحراك الشعبي العربي والذي يثبت، رغم كل ما يواجهه من اختراقات، إننا أمة واحدة لم يستطع حتى أكثر المتنكرين لعروبتها إلاّ أن يتحدث اليوم عن "ربيع عربي" في إسقاط ضمني لكل ما كان يحمله من أفكار وسياسات رافضة للاعتراف بأي حقيقة عربية.
* رئيس المركز العربي الدولي للتواصل والتضامن، الأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي.
