الأحد 20 مايو 2012
سياسة وفكر السياسة 14 يناير: ذاك يومٌ لن ننساه

14 يناير: ذاك يومٌ لن ننساه

قلم: ذ. عبد الوهاب الفغري

ذ. عبد الوهاب الفغريإنّه يوم الجمعة من عام 2011 من ميلاد السيّد المسيح. حيث كان قضاء الله وقدره هو وحده المحدّد لزوال أسطورة "السيّد الرئيس" حيث طارت الطائرة بشكل مفزوع مسرع إلى وجهةٍ غير محدّدة أو معلومة. فلا هو ولا من معه، كان محدّدًا سلفاً ذلك اليوم وتلك الساعة. ولا الشعب كان بالضبط يروم ذلك الموعد. وإنّما هو الخالق  ـ سبحانه ـ قدّر فقرّر أن يحلّ أجل المسمّى زين العابدين بن عليّ، لينتهي سياسيًا. ولا رادّ لقضائه، سبحانه وتعالى.

لقد كان الحدث فاصلاً بين عصرين، ليس في تاريخ تونس وحدها، بل في تاريخ العالم العربي الذي تشابهت أحواله. وفي مجريات الأمور السياسية في العالم.

إنّها ثورة لم تشبه سابقاتها. فأفسحت المجال للأقلام كي تسكب المداد الغزير، لتتناولها من زوايا مختلفة.

فقد ضاق الحال بالعالم العربي، فيما يخصّ إشكالية التغيير التي صارت عنده أعقد من ذنب ضبّ، ولا تعطي حلولها إلا في مجال الأعداد المعقّدة وعوالم الخيال والافتراض. وقد لوحظ أنّ العمر السياسي للمستبدّين المتأخّرين صار أطول بكثير من سابقيهم. فلا يحدّه إلا الموت. والموت بعد الشيخوخة وهرم الجوارح والعجز البيّن. بل إنّ بعضهم طال به الأمد أكثر من سابقيه مجتمعين منذ رحيل إدارة الاحتلال. مثلما هو حال مبارك في مصر أو الشيخ زايد في الإمارات العربية المتحدة أو الملك حسين في الأردن، أو علي عبد صالح في اليمن أو السلطان قابوس في سلطنة عمان. بل إنّ جنون وعتوّ هؤلاء المستبدّين قد امتدّ بهم وله الكرسيّ والسلطة إلى أن يحكموا من الآخرة ويستمرّوا وراثيًا ويتدبّروا إكسير الحياة، فتحوّلوا إلى توريث أبنائهم مثل أحوال الملوك والأمراء. فكان هذا حال صدّام حسين وحافظ الأسد ومبارك والقذافي.

وهذا الذي تحوّل بالعالم العربي إلى السرمدية والحسومية، التي تعود بنا إلى الجاهلية الجهلاء والضلالة العمياء، فيما يشبه أو يفوق عتوّ عِمليق سيّد طسم الذي تسلّط على جديس بحكم العبث، وكليب وائل الذي صار يرعى مواقع السحاب، فلا يجرؤ أحدٌ على حماه. والملك زهير بن جذيمة العبسي الذي نكّل بقبائل قيس لأنّه ملكها ..

زين العابدين بن عليّ أصبح ظاهرة للعتوّ والاستبداد والجهل والتجاهل والجرأة على العباد وعلى ربّ العباد. عسكريّ وشرطيّ في التجسّس وملاحقة المواطنين. أيْ لا علاقة له حتى بجنديّة السلاح ومهارات الحرب. ولا عهد له بثقافة أو معرفةٍ أو سياسة. وإنّما فقط بأساليب الخداع والتسلّط والعمالة. فاستُغلّ لأجل ذلك من طرف كلّ الجهات النّفعية الاستغلالية والوصولية: أفرادًا كانت أو مجموعات أو جهاتٍ أو دولاً. ويأتي في طليعة ذلك زوجته وأسرته وأصهاره ومقرّبوه، وكلّ من يقوم بخدماته مع أولياء نعمته. ثمّ المتنفّذون من خلاله في مقدّرات البلاد وكدّ شعبها، من سياسيين وأمنيين وعسكر واقتصاديين وسماسرة وعرّابين .. ثمّ يأتي في مقدّمة الأجانب الصهيونية المتركزة بفلسطين والمنتشرة بتونس وبالعالم، والولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا.

ابن عليّ هذا شكّل نموذج فرعون الخروج أو فرعون الهلاك المعروف بمنفتاح في عهد النّبيّ موسى ـ عليه السلام ـ الذي تركه لنا الوحي الكريم نموذجًا للظلم والتسلّط والكفر بنِعم الله، وقد ورث هذا المنصب بما فيه من قهر وتحكّم عن سلفه السفيه الحبيب بورقيبة الذي أشبه فرعون الاستبداد رعمسيس الثاني ليخوّل الأمر لخلفه فكانت الحالة التونسية منذ مغادرة الإدارة الفرنسية مثالاً للحالة الفرعونية بشقيّها. وهو نموذج تكرّر في عديدٍ من الأقطار العربية، نذكر منها مصر وسوريا والأردن.

لقد أتى أمر الله بشكل مفاجئ للجميع، فطار ابن عليّ فزعًا من تونس إلى غير وجهة مأمولة أو رجعة مرجوّة. مثلما وقع فجأة لشاه إيران ولماركوس وسوموزا وتشاوسيسكو .. وغيرهم كثير. ولقد عاصرهم. ولكنّه لم يتعظ بدروسهم. فمازال به إبليس حتى أورده المهالك.

فكان هذا الدّرس موعظة كبرى، ملموسة محسوسة معاصرة طريّة، تستحقّ أكثر من وقفة، وأكثر من موضوع، وأكثر من زاوية للرؤية. لا لنقف عند تونس فنذهل وكفى. ولكن لننقل الأنموذج هنا وهناك. حيث لميطل

الأمر بجاريْه مصر وليبيا. وترك الحبل على الغارب بالنّسبة لباقي الطيور المهاجرة. والطيور على أشكالها تقع. وحين يأتيها موسم الرّحيل فإنّها ترحل دفعة واحدة. إنّه موسم الرّحيل.

إضافة تعليق


Security code
تغيير رمز الحماية

  • جميع الحقوق محفوظة لموقع سراج نت 2005-2012
  • المقالات والآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع