السياسة
أفكار على مائدة العدالة والتنمية
قلم: ذ.بوشعيب بلاّمين
لأوّل مرّة في تاريخ المغرب يسمح لحزب ذو مرجعية إسلامية بالصعود إلى الحكم.. صعود جاء في سياق استثنائي:
- المخزن تاريخيا يرفض مشاركة الإسلامييين الحكم باعتبار الشأن الدّيني شأن امير المؤمنين وانّ المغاربة مسلمون والدولة تضمن لهم حق الممارسة الدينية و التدين.. والدولة بهذه المعاني تحتكر الدين ولا تسمح لغيرها باستعماله كسلاح في الصراع السياسي وانّ استعماله يعد خروجا عن الإجماع و فسوقا سياسيا..و يعرّض اصحابه للتهميش السياسي والمضايقات الأمنية و في الحريات السياسية و المدنية.
- لا يسمح النظام للإسلاميين باكتساح الساحة أو تشكيل اغلبية شعبية أوبرلمانية؛ وقد سلك في ذلك كلّ مسلك ( الإعتقال ،تلفيق التهم وفبركة الملفات القضائية ،الترهيب؛التشويش وتمييع المشهد السياسي..) لقد استنفذت لعبة النظام في صنع احزاب و شقّ اخرى أغراضها؛كما احرقت آخر المخلوقات السياسية المخزنية قواربها بسرعة بين 2009 و2011..كما تأكّد للنظام- من خلال اختبارات عدّة - أنّ العدالة والتنمية حزب يتوفّر على استعدادات عالية في التماهي مع المخزن و التلوّن بألوانه يتجاوز في ذلك أحيانا احزابا إدارية من صنعه واحزابا تاريخية ك"الإستقلال"..الشيئ الذي اعطاه بعض الإطمئنان له كشريك مناسب للمرحلة.
- المرحلة فرضت حراكا و توجّها :- الحراك العربي الذي كان من العنف و الوعي بشكل اطاح بأعتى الديكتاتوريات العربية وجعل اخرى تركع (النظام الأردني والسعودي والبحريني) من خلا بعض التراجعات ولو شكلية او ثانوية ( إجراءات و تعديلات وإصلاحات)؛في الوقت الذي تلوح بشائر سقوط ديكتاتوريات اخرى عمّا قريب(سوريا و اليمن)
حركة20فبراير ونهضة الشعوب العربية و مطالبها التي تتوجه إلى الحسم مع الأنظمة السائرة على نهج ديكتاتوري قديم ومتخلف كان لها دور في تراجع هذ الأنظمة و استعدادها لطرح كل الخيارات التي لم تكن واردة من قبل..طرحها للمناقشة وإمكانية القبول..في المغرب بلغت حدّ التعامل في شكل شراكة سياسية او صفقة مع إسلاميين مصنّفين في مقياس النظام ضمن الحركات التي لا تحدث أضرارا مهما اهتزّت.
الحراك المغربي فرض على النظام تنازلا تكتيكيا يقضي بقبول السيئ سياسيا(الإسلاميين) مقابل النّجاة من الأسوأ( سقوط النظام ونجاح الحراك ببدائل شعبية لا تبقي على النظام من شيئ و لا تذر..و لو اقتضى ذلك التضحية بحليفه التاريخي طابوره الخلفي حزب الإستقلال ووضعه في المرتبة الثانية في إنتخابات25نونبر2011 لكن دون القضاء عليه باعتباره الإحتياطي الأكثر ضمانا للنظام من البدائل الحزبية الأخرى(البام و الأحزاب الإدارية) كونه يمبلك ايديولوجية حربائية ومنفتحة على كلّ الإمكانات المغربية.. و مع كلّ ذلك فالنظام مازال لا يثق في أن يترك لقوّة ما التفرّد بالساحة السياسية و بالتالي الأغلبية في المؤسسات المنتخبة تكريسا لمبدأ وجود الكلّ فيها لكن لا احد له قوّة فرض سياسة او توجه الحزب وتكوين اداة تنفيذية مع اغلبية برلمانية تستطيع ان تحدد توجها للعمل الحكومي يمكن ان يحدث تحوّلات نوعية لصالح الشعب او تهدّد بنيان النظام..
إذا اضفنا الآلية الدستورية التي تجعل الملك حاكما فوق كلّ المؤسسلت وغير مسؤول امام احد فإنّ النتيجة هي :
- استعمال" الإسلاميين " لامتصاص الحراك تماما كما كان الحال بالنسبة لحكومة التناوب التي استعملت لنقل الحكم بهدوء دون ان يحصل انتقال ديمقراطي منشود و بالتالي فقدان المعارضة - التي شاركت في مسلسل التناوب الذي لم يحصل - لمصداقيتها السياسية والشعبية التي اكتسبتها عبرعقود بنضال ..واستشهاد ابناء "القواة الشعبية"..
..التاريخ القريب والبعيد يعيد نفسه
إنّ ازمة المغرب متعددة الأوجه : - سياسية و اقتصادية اجتماعية ...و من يتوقع حلّها بشكل جزئي سيطويه زمن السياسة كطيّ السجلّ للكتب كما بدأ الأوّلون يبدأ الأخيرون..و ينتهون إلى ما انتهوا إليه: - النسيان و التآكل من الداخل و الخارج..
خلا الحملة الإنتخابية لم يختلف حزب العدالة و التنمية عن الأحزاب الأخرى في شيئ : الوعود ، والأحلام وقائمة غير واقعية من الأهداف والأماني..يستعملها كغيره طعما من اجل استجلاب وحصد اصوات في وادي دون إعطاء ادنى اعتبار لأسباب نزول الإنتخابات ولا السياق السياسي الذي تطرح فيه ..إذ ماذا يمكن ان يفعل حزب العدالة والتنمية دون وجود اداة تنفيذية متجانسة لتنفيذ برنامجه؟ و في حال وجدت،كيف يمكنها تجاوز الفيتو الدستوري الذي تحتكره المؤسسة الملكية والتي تشكل فيه صفة امير المؤمنين .الوجه الثاني لعملة واحدة تحكم سوق الصّرف السياسي المغربي
إنّ امام حزب العدالة والتنمية مسؤولية تاريخية معقّدة وذلك نتيجة قبوله الدخول في لعبة حدّدت ..قواعدها من جهة واحدة و قبولها دون قيد او شرط مسؤولية سياسية واخلاقية ؛ والتاريخ لا يرحم وذاكرة الشعوب قوية وإن خانتها احيانا.
المسؤولية السياسية ليست لعبة نجرّبها ثمّ نرمي بها على قارعة التاريخ جنبا ونعتذر عن تكسيرها ..الحكم مسؤولية لأنّه يتعلق بالإنسان والعمران و الأجيال..الحكم ليس خطبة جمعة نعظ ونرشد الناس بها إلى فعل الخيرات وترك المنكرات والترغيب في الجنّة والترهيب من النّار..اواناشيد دينية نشنِّف بها آذان الشعب..
الحكم ليس غاية..الحكم اداة من اجل إقامة دولة الحريات والكرامة والعدالة الإجتماعية على اساس قيم سامية رفيعة تمتح من الدين إضافة إلى خلاصات الحكمة البشرية أينما وجدت