الأحد, 21 يونيو 2009 00:00
الكاتب منقول

إن ظاهرة الإسلام السياسي ليست ظاهرة تطرف ديني، ولكنها بحث عن الذات، واختيار حضاري للمسلمين في مواجهة البديل الحضاري الغربي، وعجز الغرب عن إدراك تلك الحقيقة، واختيارهم أن يفسروا الظاهرة تفسيرا سطحيا سيجعلهم عاجزين عن فهم المجتمع الإسلامي، وبالتالي فإن الأمور ستسير إلى الأسوأ، هذه هي الرسالة التي انطوى عليها المقال الأخير للمفكر والمحلل الإستراتيجي المتخصص في شئون الحركات الإسلامية اليستر كروك.
يستهل اليستر كروك مقاله بالإشارة إلى أن معظم المحللين الغربيين لظاهرة الإسلام السياسي يقعون في خطأ متكرر عندما يعتبرون أن أسباب الصراع بين حركات الإسلام السياسي وبين الغرب تتمحور بشكل أساسي حول بعض السياسات الخارجية، خاصة سياسات الولايات المتحدة الأمريكية المنحازة لإسرائيل التي –من وجهة نظرهم- إذا تغيرت فإن الأمور ستسير للأفضل.
يشير كروك إلى تجربته في هذا السياق، ويؤكد أنه من واقع سنوات من احتكاكه واتصاله المكثف برجال الدين الإيرانيين وحزب الله في لبنان وحركة حماس في فلسطين، يرى أن الصراع بين الإسلاميين والغرب له أسباب عميقة جدا، تتمحور حول حقيقة أن كلا من الطرفين له رؤية تختلف اختلافا جذريا عن الطرف الآخر حول مفهومهما للطبيعة البشرية والمجتمع الإنساني الصالح.
وباستمرار المجتمع الغربي في عجزه عن إدراك تلك الحقيقة فإنه لن يستطيع أن يفهم ما يحدث في المجتمعات الإسلامية.
أصل الصراع فالأصل في الصراع كما يراه كروك هو أن المجتمع الغربي يرى الحياة من منظور عقلاني برجماتي مركزه الفردية، بينما ترى مجتمعات حركات المقاومة الإسلامية الحياة من منظور روحي يقوم على نظرة جمعية وليست فردية.
يتطرق كروك إلى حقيقة أنه وبالرغم من مضي 30 عاما على قيام الثورة الإسلامية في إيران و50 عاما على قيام أول حركة مقاومة إسلامية وهي جماعة الإخوان المسلمين في مصر فإن الغربيين لا يزالون يتساءلون في حيرة لم قامت أصلا حركات مقاومة إسلامية؟ وما الذي يؤدي بالمسلمين إلى الغضب والثورة؟
فمن الصادم أنه حتى وقتنا الحالي فإن المحللين الغربيين على سبيل المثال لازالوا يتساءلون هل كانت الثورة الإيرانية مجرد ضربة شعبية للسلطة الغاشمة المتمثلة في نظام الشاه الديكتاتوري؟ ويرى كروك أن مثل ذلك التفسير وما على شاكلته من التفسيرات عاجز وقاصر بشدة عن شرح أسباب أحداث حدثت ولا زالت تحدث تثير غضب الملايين من المسلمين، وتؤدي إلى حالة من التعبئة الشديدة لهم وتأجيج غضبهم.
ويقول كروك إنه قد أوضح في كتابه " "Resistance (المقاومة) أن الثورة الإسلامية هي في الأساس تعبير عن (الرفض)، فقد كانت الثورة رفضا كبيرا لقبول فكرة محاولة فهم النفس أو العالم من خلال أطر يفرضها عالم معاصر، يحكمه الضمير الغربي العلماني.
فالظاهرة الإسلامية ليست شيئا غير منطقي، أو وليد الصدفة، كما أنها ليست أيضا نزوة من نزوات صعود المد الديني، بل هي ظاهرة لها أسبابها العقلانية، وهي بالأساس بديل للطرح والفلسفة الغربية.
الحداثة الغربية ونتائجها ثم يعرض كروك لمفهوم الحداثة الغربية التي هي مرجعية الضمير الغربي، ويقول إنها استندت على ركيزتين أساسيتين هما:
ما وصفه المؤرخون الغربيون بالتحول العظيم، وهو التحول الذي بدأ في أوروبا في القرن الثامن عشر، والذي يرتكز على فلسفة ترى أن رخاء البشرية مقترن بفاعلية عمل السوق، فبينما يسعى كل فرد لتحقيق مساعيه ورغباته واحتياجاته الفردية فإنه وفي طريقه لتحقيق تلك الغاية سيتفاعل مع الآخر طبقا لما يفرضه السوق من آليات، وبذلك تتحقق الاستفادة القصوى من الموارد في سبيل تحقيق الرخاء، ليس فقط على المستوى الفردي، بل سيمتد ذلك للمجتمع ككل.
الركيزة الثانية: وهي فكرة وثيقة الصلة بتلك الفكرة، آمن بها البيويتانيون الإنجليز، وتضرب تلك الفكرة بجذورها في التاريخ الأنجلوساكسوني، وأساس تلك الفكرة هي أن اليد الخفية للاقتصاد تعمل أيضا على المستوى السياسي لتحقق مبدءا مثاليا هو التنافس السياسي، وهو شيء صحي؛ لأنه يستمر حتى يسفر في النهاية عن تناغم بين المتنافسين، ويستمد ذلك المبدأ خلفيته من أن الصراع الذي كان دائرا بين القبائل الأنجلوسكسونية الأولى أدى في النهاية وبشكل تلقائي إلى حدوث استقرار سياسي.
وقد نقل المهاجرون الأنجلوسكسون الأوائل تلك الأفكار السياسية والاقتصادية إلى الولايات المتحدة الأمريكية؛ لتصبح هذه المنظومة من الأفكار النموذج الأساسي الذي يقوم عليه النظام الحكومي الأمريكي، وقد تفرعت مفاهيم مثل الدولة الفيدرالية والديمقراطية عن ذلك النموذج الأساسي.
وبالطبع فإن ما يعرف بالتحول الكبير لم ينشأ بشكل طبيعي أو تلقائي ولكن إنشاء نظام السوق تطلب تدخلا كبيرا من الدولة لإخضاع العديد من القيم والأهداف الاجتماعية والسياسية الهامة من أجل الوصول إلى ذلك الهدف المهيمن.
وقد نشأ نتيجة عن ذلك الصراع بين المنظومة السياسية والاجتماعية القديمة والضيف الوافد المتمثل في نظام السوق، والذي تحتضنه النظم والحكومات الغربية إلى سلسلة من التوترات أدت إلى أن المجتمع الأوروبي في القرن التاسع عشر كان على حافة الثورة، وبحلول عشرينيات القرن الماضي كانت تلك التوترات قد وصلت بالمجتمع الإسلامي إلى منعطف كارثي.
وكما كان لذلك التحول آثاره الكارثية في القارة الأوروبية في القرن الثامن عشر، فقد كان كذلك بالنسبة للعالم الإسلامي في القرن الذي تلاه، فقد طرد حوالي 5 ملايين مسلم أوروبي من أوطانهم في الفترة ما بين سنة 1821 و1922 بسبب الدول الفيدرالية ذات الطابع الإثني التي أنشأها الغرب؛ لتحل محل المحافظات الغربية التي كانت تابعة للإمبراطورية العثمانية.
وقد أدى حماس جيل الشباب الأتراك لمحاكاة النموذج العصري لنظام السوق الحر الأوروبي بعد سقوط الدولة العثمانية إلى العديد من الكوارث، منها مقتل مليون من الأرمن و250 ألفا من الأشوريين، وطرد حوالي مليون شخص ينتمون للكنيسة الأرثوذوكسية الشرقية من البلاد وصولا إلى قمع الهوية الكردية، وانتهاء من شيطنة الهوية الإسلامية وقمعها بواسطة كمال أتاتورك؛ حيث تم إغلاق المؤسسات الدينية وإلغاء نظام الخلافة الإسلامية الذي امتد تاريخه إلى 1400 عام.
عنصر المفارقة من المفارقات اللافتة أن الكماليين والتحول التركي الذي كان مثار إعجاب الغربيين، والذي عمل على تدمير نظام الخلافة الإسلامية التي أمدت العالم الإسلامي بالاستقرار لقرون عديدة قد هيأ المناخ والظروف بشكل غير متعمد لبروز ظاهرة الإسلام السياسي التي تلاقي شعبية كبيرة في أوساط الجماهير التركية، وقد تتحول تلك الشعبية وتتبلور في صورة حركة ثورية تشمل كل قطاعات الشعب التركي المسلم ومنهم الأقلية الشيعية فهناك منحنى واضحا تتحرك فيه تركيا في نصف القرن القادم من النموذج العلماني إلى نموذج ثوري إسلامي شبيه بنموذج إيران.
وقد عانى المجتمع الإسلامي في بدايات عشرينيات القرن الماضي من وطأة التغريب وفقدان البوصلة تحت حصار العلمانية التي فرضت عليه في إيران وتركيا وبلدان إسلامية أخرى، وبدأ الفكر الماركسي في جذب عدد من الشباب في المجتمعات الإسلامية التي بدأت من جديد نتيجة لتلك المؤثرات رحلة للبحث عن الذات.
وهنا بدأت الظاهرة الإسلامية في البزوغ كاختيار في هذه الرحلة للبحث عن الذات، وبالرغم من أن الإسلاميين يستمدون مرجعيتهم من القرآن وهو لا يقدم فلسفة جديدة ظهرت كرد فعل على التوجهات الفكرية المعاصرة، إلا أن العودة للقرآن كمرجعية مثلت ثورة من حيث إن القرآن يدعو إلى قيام مجتمع يؤسس لتعايش الناس جميعا في مجتمع ناجح، ولابد لنجاح هذا المجتمع أن يمارس مبادئ الرحمة والعدل والمساواة، وتلك المبادئ تمثل الأساس الذي انطلق منه الإسلاميون، ولذلك فإن مبادئ الإسلاميين مثلت اتجاها معاكسا كليا وثائرا على ما أطلق عليه "التحول الكبير"؛ لأن المرجعية الإسلامية بذلك تضاد مبدأ غلبة السوق الذي أدى إلى إخضاع العديد من القيم والغايات الاجتماعية والأخلاقية فالغلبة والأولوية للمرجعية الإسلامية هي خلق مجتمع يقوم على مبادئ الرحمة والعدل والمساواة، ويخضع لهذا المبدأ أي غايات أو أهداف أو مبادئ أخرى، ومنها مبدأ غلبة السوق.
وقد مثلت ظاهرة الإسلام السياسي ثورة على "التحول الكبير" في وجه آخر، فبدلا من اعتبار الفرد هو المبدأ المؤسساتي التي تتشكل السياسات والنظام الاقتصادي والمجتمع في فلكه، ومن حوله فقد حل محل تلك الفردية تركيز الإسلاميين على الثروة المجتمعية، ورخاء الشعب ككل كمحك لقياس التقدم السياسي.
وبذلك فإن ظاهرة الإسلام السياسي تعيد طرح جدل قديم في صلب كل من الفلسفة الغربية والفلسفة الإسلامية ذلك الجدل الذي طرحه الفيلسوف اليوناني بلاتو، والذي أثار السؤال حول الهدف من السياسة؟، فما يؤرق بعض الغربيين أنهم بعد مضي حوالي 200 عام من استقرار الرأي حول هذا الجدل فإن النموذج الغربي حيال ذلك الجدل أصبح موضع تساؤل من جديد.
رحلة اكتشاف للذات الثورة الإسلامية هي أكبر من أن تنحصر في دائرة سياسية، فهي محاولة لتشكيل ضمير جديد للهروب من الافتراضات المسبقة التي تسود عصرنا الحالي، فهي تبني على التعاليم الفكرية للإسلام لتصل إلى رؤية تختلف جذريا عن الرؤى السائدة للطبيعة البشرية، وذلك الضمير وتلك الرؤية المختلفة هي العامل المثير والمحرض للثورة أو المقاومة الإسلامية.
ومن الشواهد التي أوردها كروك في هذا السياق رد أحد قادة حزب لله على سؤال له من كروك حول ماذا تمثل الثورة الإسلامية بالنسبة له؟ فقال وبدون تردد "إنها أثبتت أن المسلمين لا زالت لديهم الحرية والقدرة على أن يعودوا للتفكير بشكل إسلامي من جديد".
فرؤية الإسلاميين هي رحلة في سبيل اكتشاف ذات جديدة، وبرغم أنها يشوبها العديد من العيوب وأوجه القصور، ولكن مبادئها الفكرية تمنح كلا من المسلمين والغربيين الفرصة والإمكانية لتجاوز أوجه القصور الخطيرة للمادية الغربية.
وعليه فإنه من المتعذر فهم مفهوم المقاومة أو الثورة الإسلامية دون أن نضعها في سياق أنها حدث فلسفي وميتافيزيقي، وغياب تلك الرؤية لدى الغرب هو ما يفسر عدم قدرتهم على فهم إيران وثورتها وأحداث أخرى تدور في المنطقة.
وبالطبع فإن هناك وجها آخر لظاهرة الإسلام السياسي، فالدين الإسلامي شأنه في ذلك شأن العقيدة المسيحية، شهد منذ بزوغه صراعا بين تأويلات ضيقة الأفق وحرفية، ولا تتسم بالتسامح والمرونة، في مقابل نواميس فكرية لها أسس فلسفية، وتستند إلى المنطق في عملية تحويل المعرفة.
وتمثل جماعات حزب الله وحماس نماذج لتلك النواميس الفكرية، رغم أن معظم المحللين الغربيين لا يرونهم كذلك، وذلك يرجع إلى أنهم يرونهم فقط من خلال منظور أنهم مقاومون للاحتلال الإسرائيلي.
وقد عمد الغرب في نصف القرن الماضي على نحو خاطئ إلى تبني سياسة تحاكي التفكير السياسي الاحتوائي، الذي تميزت به فترة الحرب الباردة حيال منطقة الشرق الأوسط، متذرعين في ذلك ببروز التيار السلفي الإسلامي.
إن المنحى العقائدي المتزمت القاصر الذي تبناه الغرب حيال الظاهرة الإسلامية كبديل عن التفكير في تلك الظاهرة، وكصعود لظاهرة فلسفية واجتماعية قد ساهم في تنامي التطرف الإسلامي، وبتمسك الغرب بذلك الاختيار الفكري الذي يصورونه على أنه انحياز "للاعتدال" في مواجهة "التطرف" فإنهم يعملون على جعل منطقة الشرق الأوسط منطقة خطرة عنيفة تفتقر إلى الأمن.