الأحد 20 مايو 2012
سياسة وفكر الحركة الإسلامية حركات النهوض الإسلامي واقع وآفاق المبحث الثاني الحلقة التاسعة

حركات النهوض الإسلامي واقع وآفاق المبحث الثاني الحلقة التاسعة

حركات النهوض الإسلامي واقع وآفاق المبحث الثاني الحلقة التاسعةتجربة بديع الزمان سعيد النورسي :
مات بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله ولم يخلف لا قصرا ولا مالا، بل ترك للأمة علما نافعا ومواقف بارزة؛ ضاقت منه الطواغيت حيا وميتا، فصادروا قبره بعد أن صادروا حريته. إن للشيخ تجربة غنية، ابتدأت بالعلم وانتهت به، فكان له في العزلة والمنفى فرصة للذكر والتأليف، وجعل من رسائله سلاحا خفيا ألقاه بين أيد قومه لمواجهة العلمانية المتطرفة والإلحاد الأعمى... لقد أطال الله في عمره رغم التعذيب الذي لقيه ورغم حكمي الإعدام اللذان صدرا في حقه؛ كان رحمه الله شجاعا لايخاف لومة لائم ولا يخشى سوى الله، فحفظه الله سبحانه وتعالى حتى أدى رسالته النورانية وكون طلبة نورانيين، امتد نورهم إلى يومنا هذا، فزاحموا العلمانيين في دولة الإسلام تركيا، وهم عازمون اليوم على إعلاء كلمة الله هناك إنشاء الله تعالى.(1)
Sans titre

بديع الزمان سعيد النورسي

 

منجزاته وأعماله

محطات حياته الأساسية

ولد في قرية (نورس) الواقعة شرقي الأناضول في تركيا ونشأ في بيئة كردية.

المولد

(1294هـ - 1877م)

نال الإجازة العلمية وهو ابن أربع عشرة سنة بعد أن تبحر في العلوم العقلية والنقلية بجهده الشخصي، فقد حفظ عن ظهر غيب، ثمانين كتاباً من أمهات الكتب العربية. كما حفظ القرآن الكريم في وقت مبكر من حياته كما عكف على دراسة العلوم العصرية، أو العلوم الكونية الطبيعية ، (رياضيات، وفلك، وكيمياء، وفيزياء، وجيولوجيا) والجغرافيا والتاريخ والفلسفة الحديثة.

رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحلم، وسأله أن يدعو الله له: أن يفهمه القرآن، ويرزقه العمل به، فبشره الرسول الكريم –صلى الله عليه وسلم– بذلك ، قائلاً له: سيوهب لك علم القرآن، شريطة ألا تسأل أحداً شيئاً.

النشأة العلمية

قدم مشروعاً لإنشاء جامعة إسلامية حديثة في شرقي الأناضول –بلاد الأكرد– وأطلق عليها اسم (مدرسة الزهراء) لتكون على منوال ( الأزهر ) في مصر، غير أنها تختلف عن الأزهر بتدريس العلوم الحديثة إلى جانب العلوم الشرعية والعربية، وذلك من أجل النهوض بالأكراد المسلمين المهملين الذين يفتك بهم الجهل والفقر والتخلف، ولكن النورسي لم يلق قبولاً من السلطان عبد الحميد ومن وزير داخليته.

إقامة الحجة

إسطنبول عام 1896

قابل السلطان عبدالحميد، وانتقد الاستبداد ونظام الأمن واستخبارات القصر (يلدز)، وأحيل إلى محكمة عسكرية. وبسبب شجاعته وجرأته في مواجهة المحكمة وضع في مستشفى (طوب طاش) للمجانين)، ثم أحيل إلى وزارة الداخلية من أجل الترغيب والترهيب، لكن رد الإغراء وواجه التهديد.

ذهب إلى (سلانيك) مقر يهود الدونمة ومشتقاتهم من جمعية (الاتحاد والترقي) و(الماسونية) وسواهما، والتقى عدداً من شخصيات (الاتحاد والترقي)، وناظر أصحابه...

بداية الابتلاء

إسطنبول مرة أخرى 1907

سيق إلى المحاكمة بتهمة حادثة 31 مارت وهدد بالشنق لأنه يطلب بتطبيق الشريعة، لكنه رد بقوله: لو أن لي ألف روح لما ترددت أن أجعلها فداء لحقيقة واحدة من حقائق الإسلام، فقد قلت: إنني طالب علم، لذا فأنا أزن كل شيء بميزان الشريعة، إنني لا أعترف إلا بملة الإسلام، إنني أقول لكم وأنا واقف أمام البرزخ الذي تسمونه (السجن) في انتظار القطار الذي يمضي بي إلى الآخرة، لا لتسمعوا أنتم وحدكم بل ليتناقله العالم كله: ألا لقد حان للسرائر أن تنكشف ، وتبدو من أعماق القلب، فمن كان غير محرم فلا ينظر إليها.. إنني متهيء بشوق لقدومي للآخرة، وأنا مستعد للذهاب مع هؤلاء الذي علقوا في المشانق...

صدر حكم ببراءته.

رفع التحدي 

13/4/1909

أسس (الاتحاد المحمدي) رداً على دعاة القومية الطورانية، والوطنية الضيقة، كجمعية الاتحاد والترقي، وجمعية تركيا الفتاة. 

انضم إلى (تشكيلات خاصة) وهي مؤسسة سياسية عسكرية أمنية سرية، شكلت بأمر السلطان محمد رشاد قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى، وكان النورسي من أنشط أعضاء قسم (الاتحاد الإسلامي) فيها، وأصدر مع عدد من العلماء (فتوى الجهاد) للدفاع عن الخلافة.

بداية العمل المؤسس والعمل العسكري 

1909

بدأ يلقى دروسه ومحاضراته، متجولاً بين القبائل والعشائر الكردية، يعلمهم أمور دينهم، ويرشدهم إلى الحق.

السفر إلى مدينة (وان)  

1910

ألقى في المسجد الأموي خطبته الشهيرة باسم الخطبة الشامية التي وصف فيها أمراض الأمة الإسلامية ، ووسائل علاجها.

السفر إلى دمشق 

1911

عين قائداً لقوات الفدائيين الذين جاؤوا من شرقي الأناضول، من الأكراد خاصة.

1912

تصدى وتلاميذه المتطوعون للقوات الروسية، ثم جرح جرحاً بليغاً، وبقي في الأسر في (قوصطرما) سنتين أربعة أشهر، ثم تمكن من الهرب من معسكرات الاعتقال، إثر الثورة البلشفية في روسيا.

خلال أسره أصدرت المحكمة العسكرية قرارها بالإعدام بتهمة إهانة القيصر والجيش الروسي، وفي يوم التنفيذ أبطل القائد العام الحكم واعتذر.

مقاومة المحتل والحكم الأول بالإعدام

1916

عين عضواً في (دار الحكمة الإسلامية) التي كانت تضم كبار العلماء والشعراء والشخصيات. قررت الحكومة له مرتباً، ولكنه ما كان يأخذ منه إلا ما يقيم أوده، والباقي ينفقه على طباعة رسائله العلمية التي كان يوزعها مجاناً.

وبعد أن احتل الحلفاء (الإنكليز والفرنسيون) العاصمة استانبول، ألف النورسي كتابه (الخطوات الست) وحكم عليه الحاكم العسكري الإنكليزي بالإعدام على هذا الكتاب، وعلى نشاطه المعادي للقوات المحتلة، وأراد محبوه إنقاذه ، فدعوه إلى (أنقرة) فأجابهم: أنا أريد أن أجاهد في أخطر الأمكنة، وليس من وراء الخنادق، وأنا أرى أن مكاني هذا أخطر من الأناضول.

الحكم الثاني بالإعدام

اسطنبول 13/8/1918

دعي إلى أنقرة واستقبل في المحطة استقالاً حافلاً، ولكنه لاحظ أن أكثر النواب لا يصلون، كما أن مصطفى كمال يسلك سلوكاً معادياً للإسلام، فقرر أن يطبع بياناً تضمن عشر مواد، وجهه إلى النواب ، واستهله بقوله: "يا أيها المبعوثون ... إنكم لمبعوثون ليوم عظيم".

وكان من أثر هذا البيان الذي ألقي على النواب ، أن ستين نائباً قاموا لأداء فريضة الصلاة، والتزموا بالدين، الأمر الذي أغضب مصطفى كمال فاستدعى النورسي وقال له: "لا شك أننا في حاجة ماسة إلى أستاذ قدير مثلك، ولهذا دعوناك إلى هنا للاستفادة من آرائك السديدة، ولكن أول عمل قمت به هو الحديث عن الصلاة لقد كان أول جهودك هنا هو بث الفرقة بين أهل المجلس.

فأجابه بديع الزمان، مشيراً إليه بإصبعه في حدة: "باشا .. باشا إن أعظم حقيقة تتجلى بعد الإيمان هي الصلاة، وإن الذي لا يصلي خائن، وحكم الخائن مردود".

عندها فكر مصطفى كمال بإبعاده عن العاصمة، فعينه واعظاً عاماً للولايات الشرقية، وبمرتب مغر، ولكن النورسي رفض الوظيفة والراتب، لأنه عالم رباني، وأنى للعالم الرباني أن تغريه المناصب والأموال!

كتب النورسي ونشر في هذه المرحلة عدة كتب ورسائل منه: إشارات الإعجاز – والسنوحات – والطلوعات – ولمعات - وشعاعات من معرفة النبي صلى الله عليه وسلم وسواها باللغة العربية.

مواجهة العلمانية التركية

أنقرة 1922

انقطع للعبادة في إحدى الخرائب المهجورة على جبل "أرك" ولم يدر شيئاً عن الأعاصير التي تنتظره.

أبى تأييد ثورة الشيخ سعيد بيران ضد الحكومة الكمالية العلمانية المعادية للإسلام، لأنها تؤدي إلى اقتتال المسلمين فيما بينهم.

مدينة "وان"

1923

أمرت حكومة أنقرة العلمانية بالقبض عليه، ونقله إلى إستانبول، ومن ثم إلى مدينة "بوردور" ثم إلى "بارلا" في جو بارداً، ومياه البحيرة متجمدة وأحد جذافي القارب الذي يحمله إلى منفاه في المقدمة يكسر الثلوج بعصاً طويلة في يده، ليفتح بذلك طريقاً للقارب الشرعي.

صنع له أحد النجارين غرفة خشيبة صغيرة غير مسقوفة، وضعت بين أغصان شجرة الدلب العالية حيث كان النورسي يقضي فيها أغلب أوقاته في فصلي الربيع والصيف، متعبداً لله، متأملاً متفكراً، وعاكفاً على تأليف رسائل النور طوال الليل، والناس يسمعون همهمات العالم العابد المتهجد، ولا يستطيعون الاختلاط به ومحادثته، والإفادة من علمه، لأن هذا محظور عليهم وسوف يكلفهم كثيراً.

أمضى النورسي في (بارلا) ثماني سنوات ونصف السنة، ألف فيها أكثر رسائل النور، وهو يعاني من عدة أمراض، ولا يشتهي الطعام، بل كان يكتفي من الطعام بكسيرات من الخبز مع قليل من الحساء "الشوربة"، ولا يقبل هدية ولا تبرعاً ولا زكاة من أحد.. كان - كما قال عن نفسه - يعيش على البركة والاقتصاد...

كان يؤلف ويكتب باللغة التركية المكتوبة بالحروف العربية، ويأمر تلاميذه بالكتابة بالحروف العربية، حفاظاً عليها من النسيان، فقد كان أتاتورك ألغى الكتابة بالحروف العربية واستبدل بها الحروف اللاتينية.

أسهمت النساء المسلمات العفيفات الصالحات المجاهدات بنسخ الرسائل – الكتب – التي كان يمليها بديع الزمان على بعض تلاميذه في غفلة من الرقباء لأنه كان منفياً وموضوعاً تحت الرقابة، ثم يقوم هؤلاء بتهريبها إلى النساء، ليسهرن في نسخها، ويقضين الليالي في ذلك، حتى إذا أنجزنها، سارت بها ركبان طلبة النور في طول البلاد التركية وعرضها، حتى عمت سائر المدن والقرى التركية.

رسائل النور هذه تدعو إلى إنقاذ الإيمان، وعودة الإسلام إلى الحياة، وعودة المسلمين إلى دينهم، وقرآنهم، وتحكيم شرع الله في سائر أمورهم وأحوالهم..

لم ينج هو ولا تلاميذه من الملاحقة والمحاكمات والسجون التي أطلق عليها النورسي وتلاميذه اسم: المدرسة اليوسفية أسوة بسيدنا يوسف عليه السلام.

وقد جاء في قرار اللجنة المدققة لرسائل النور في مدينة (دنيزلي): "ليس لبديع الزمان فعالية سياسية، كما لا يوجد أي دليل على أنه يؤسس طريقة صوفية، أو قائم بإنشاء أي جمعية، وإن موضوعات كتبه تدور كلها حول المسائل العلمية والإيمانية وهي تفسير القرآن الكريم، وصدق الله العظيم (وجعلنا من بين أيديهم سداً، ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون) (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور). فأطلقوا سراحه وقد كان في السابعة والسبعين من العمر.

طلب أكثر من مرة من تلاميذه طلبة النور، ألا يربطوا الرسائل بشخصه الضعيف، فيحطوا من قيمتها، لأن للإنسان أخطاء وعيوباً قد سترها الله عليه.. كما كان يدعو تلاميذه إلى عدم التعلق به، لا في حياته، ولا بعد مماته.

مرحلة (سعيد الجديد)

(بارلا)

شتاء عام 1926 القارس

توفي في الخامس والعشرين من شهر رمضان المبارك عام 1379هـ الموافق للثالث والعشرين من شهر آذار 1960م.

ترك موسوعة علمية، أدبية، إيمانية ضخمة تسد حاجة هذا العصر، وتخاطب مدارك أبنائه، وتدحض أباطيل الفلاسفة الماديين، وتزيل شبهاتهم من أسسها، وتثبت حقائق الإيمان وأركانه بدلائل قاطعة، وبراهين ناصعة، جمعت في ثمانية مجلدات ضخام، هي : الكلمات – المكتوبات – اللمعات – الشعاعات – إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز – المثنوي العربي النوري – الملاحق – صيقل الإسلام، وقد ترجمت إلى اللغات العربية والإنكليزية، والألمانية ، والأردية ، والفارسية ، والكردية ، والفرنسية ، والروسية وغيرها ، ودفن في مدينة (أورفه).

وبعد الانقلاب العسكري في تركيا في 27/5/1960 قام الانقلابيون العسكر بنقل رفات الإمام النورسي إلى جهة غير معلومة.

وفاته وإرثه

خاتمة: 

هؤلاء الرجال وأمثالهم ممن ساروا بعزم أكيد على درب الأنبياء عليهم السلام:

o هم الذين تزودوا بالعلم وصدعوا بالحق وصبروا صبرا جميلا حتى لقوا الله وهو راض عنهم - وكذلك نحسبهم -...

o هم الذين جسروا بين صلاح سلفهم وطموحات جيلهم، دون أن تغفل عينهم عن مستقبل الأمة الموعود، آملين أن يكونوا لبنة من لبنات بنائه...

o هم الذين ذاقوا حلاوة الإيمان فالتمسوا طريق الحرية الحقة، حين عشقوا الشهادة إلى جنب العيش الكريم الذي يؤطره الشرع وتسوده الشريعة، حتى صار منتهى حلمهم نصر أو شهادة.

o هم الذين أبو عيش البسطاء فكانوا قادة لا أتباعا، ونفروا من هامش التاريخ، فكانوا للحدث صناعا لا حكات...

o هم الذين خبروا مكر أعداء أمتهم، وذاقوا أنواع التنكيل من طواغيت قومهم، وعاشوا الغربة بين أهليهم، حيث لم يسلموا من شر ذوي القربى...، دون أن ينال منهم ترغيب أو ترهيب...

هم الذين اعتقد البعض أن بموتهم ستموت أفكارهم ومشاريعهم، لكن عكس ذلك الذي حصل، فلم يصبحوا نسيا منسيا، بل دام ذكرهم، وزادت الحاجة لعلمهم وكلماتهم وفتواهم... لقد أقبلوا في حياتهم على الحق ولم يدبروا، وكلهم يقين بأن الدوام والاستمرارية تتحقق بالتباث عليه، فكانت من بين أقوالهم "أموت لتحيى كلماتي" للشهيد سيد قطب، و"تعددت الأسباب والموت واحد، فإن أعدمت فسوف أرقد في قلب الأمة، علماً بأنني عندما جئت إلى إستانبول كنت واضعاً روحي على كفي اعملوا ما شئتم، فإني أعني ما أقول : إنني أريد أن أوقظ أبناء الأمة..." لسعيد النورسي... فنالوا الحياة في الدنيا والآخرة وفازوا بنعيميهما "فلا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون" .

(1) النص الذي يتضمنه جدول "الشيخ سعيد النورسي" مقتبس من بحث "للكاتب عبدالله الطنطاوي عن مجلة المنار، العدد 63، شوال 1423هـ"، وقد أدخلت عليه تعديلات جد خفيفة، ثم حولته إلى جدول على ذلك النحو.

إضافة تعليق


Security code
تغيير رمز الحماية

  • جميع الحقوق محفوظة لموقع سراج نت 2005-2012
  • المقالات والآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع