الأحد 20 مايو 2012
سياسة وفكر الحركة الإسلامية حركات النهوض الإسلامي واقع وآفاق الحلقة السادسة

حركات النهوض الإسلامي واقع وآفاق الحلقة السادسة

حركات النهوض الإسلامي واقع وآفاق  الحلقة السادسة- مواصفات المتغيرات:

في الخلاصة نقول, أن الهدف الكلي العام بعيد المدى, بيننا وبين إنجازه أهداف وسيطة تحتاج للمراكمة. النوع الأول من الأهداف لا يخضع للتنازل أو التكتيك, أما الثاني فهو متغير خاضع للموازنات والأولويات المصلحية. درجات نجاح تنزيله متعلقة تناسبيا بالأساليب والوسائل المعتمدة, والتي تخضع لموازين القوى والقدرة على ضبط خريطة التدافع. و إجمالا يمكن حصر مواصفات متغيرات المشروع التغييري الإسلامي في خمس صفات هي:

. على المتغيرات أن تتفاعل مع واقعها.

. المتغيرات تتسم بالمطاطية والمرونة حتى تستوعب معطيات الواقع.

. يجب أن تكون الوسائل المعتمدة من جنس الأهداف المرسومة.

. يجب أن تخدم الأهداف الوسيطة الأهداف العامة.

. الأهداف تتنوع حسب البعد الزمني الذي تشغله, لذا يجب التمييز بين أهداف بعيدة المدى, وثانية متوسطة المدى, وأخرى قريبة المدى أي لحظية إجرائية.

* منهجية التغيير:

يقصد بمنهجية التغيير امتلاك منهجية تقوم على التخطيط الإستراتيجي، بوضع رؤية تستوعب الإمكانات المتاحة، وتفقه الواقع المستهدف، وتحدد خطة للعمل، ثم تخوض في الممارسة مع المتابعة والتقييم ثم التقويم. أي العمل بنظرية: تنظير ثم ممارسة ثم تنظير.

خطاطة منهجية التغيير



خطوات منهجية التغيير

انطلاقا من خطاطة منهجية التغيير السابقة، يمكن حصر خطوات المنهجية التغييرية السليمة في سبع خطوات أساسية. قفز إحداها, أو خلط ترتيبها، أو التقصير في فهم مضمونها وأهميتها... يؤدي إلى قصور في الرؤية، أو إلى ارتباك في العمل، أو إلى هدر الجهد والوقت بتكرار المحاولات وإعادة الأخطاء... ولمزيد من التدقيق في كل خطوة على حدة نظيف ما يلي:

1- رؤية المشروع:

الرؤية هي الأرضية المشتركة بين أبناء المشروع الواحد، وهي عصارة الفكر المشترك والبوصلة الإديولوجية التي توجه المشروع التغييري... كما تعتبر "تعبيرا شاملا عن قيم المؤسسة، تتميز بالمثالية، حيث تبرز الصورة التي ستكون عليها المؤسسة في المستقبل, ويجب أن تكون قادرة على التأثير في القرارات والاختيارات المتخذة، وتوجيه جميع أعمال الفاعلين داخل المؤسسة وإحداث الالتزام والعزيمة على العمل.

تتميز الرؤية بما يلي: . الوضوح.

. العمل على تحقيق غاية واحدة: التميز.

. إشباع حاجيات جميع الفاعلين والمتعاملين مع المؤسسة.

. دفع جميع الفاعلين داخل المؤسسة لمعرفة: ماذا أفعل؟ وكيف أفعله؟"[1>

2- الأهداف الوسيطة:

على ضوء استراتيجية المشروع التي تعكسها تفاصيل الرؤية، وبناء على معطيات الواقع، يتم تسطير أهداف مرحلية واضحة وقابلة للتنزيل, ثم أهداف إجرائية آنية ودقيقة.

3- خطة العمل:
بعد تحديد المرحلة وأهدافها، وبعد التحقق من الإمكانات المتاحة ومن الأهداف الإجرائية، يجب ضبط مداخل العمل التي تتطلب أقل جهد وأقصر مدة، مع إدراك العناصر الحساسة في الموضوع التي تحتاج للتركيز دون غيرها...

4- تنزيل المشروع:

عندها توجه الطاقات لإتقان الأداء، بتوزيع الأدوار ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب، وبالتحفيز على البدل وتركيز الجهد حسب الأهداف المسطرة...

5- حصر النتائج:

بعد الشوط الأول من العمل, لا بد من التحقق من الحصيلة ثم فرز المكاسب منها. والعملية هنا تقتصر على الجرد والملاحظة، وجمع الانطباعات، وحصر المواقع التي تم اكتساحها...

6- تقييم النتائج:

يتم التقييم بمقارنة الأهداف بالنتائج والإمكانات، وبالتدقيق في الأسباب التي حالت دون تحقيق كل الأهداف... والتقييم أو النقد الذاتي حلقة مركزية من بين حلقات سلسلة منهجية التغيير، به يتحقق تطوير الأداء، ويؤمن الانتقال من مرحلة لأخرى، كما يحصن الإطار من المفاجئات والمؤامرات والتصدعات...

والنقد لا يفيد جلد الذات، ولا يؤشر للإخفاق والهشاشة، بل على العكس من ذلك، كلما تواضع أبناء التجربة على صيغة مؤسسية للنقد, وتشبعوا على ممارسته في جو أخوي هادف، كلما كانت النتيجة مرضية.

7- تطوير المشروع:

بعد التقييم والقراءة النقدية لا بد من اتخاذ أحد القرارين: إما العبور لمرحلة جديدا وفق المراكمة، وحسب أهداف جديدة تمليها تطورات الواقع أو تطور الأداء ، وإما الإبقاء على نفس المرحلة في إطار الإلحاح والصمود، شريطة إعادة توزيع ترتيب الأولويات وتوزيع الأدوار بعد تقويم الأهداف.

ملاحظات منهجي
- عامل الوقت حاسم في العملية التغييرية: فكلما كان التمطيط الزمني كلما ضعفت المصداقية.

- كثرة الإخفاقات تدخل التجربة في حلقة مفرغة: يتكرر معها النقد، وتعاد عندها المرحلة من جديد، مما يفرغ الجهد في فراغ، ويوهن العزائم، ويضعف الأنفس، ويجر المشاق.

- شوط التمكن: أي إيجاد مكان محترم في المشهد التدافعي. يتم بإنجاز وبنجاح الخطوات الأربعة الأولى من خطوات منهجية التغيير(امتلاك الرؤية، تحديد الأهداف، وضع خطة، تنزيل المشروع).

- شوط التثبيت: أي الحفاظ على المكتسبات والمكانة، دون التراجع أو التنازل. ويتم بإنجاز الخطوات الثلاثة الأخيرة من خطوات منهجية التغيير (حصر النتائج، تقييم النتائج، تطوير المشروع)، وإن أي تقدير خاطئ أو أي قرار متسرع سيخلف تراجعات تجعل الحركة كالتي نقضت غزلها.

* إشكالية الترجيح:

إن مشاريع التغيير الإسلامية لا تختلف حول الثوابت المقرة بالكتاب والسنة, والمعلومة من الدين بالضرورة. لكن مصدر الاختلاف يمكن حصره في الأسباب الرئيسية التالية:

- س1: التركيز العملي على ثابت دون آخر, مما يضفي على المشروع صفة معينة, ويبصمه ببصمة التربوي أو السياسي أو الإحساني ...

- س2: التركيز على الثابت دون المتغير, مما يختزل المشروع في شعارات رنانة, لكنها تفتقد عناصر التفعيل في الواقع, والتبلور إلى برامج قابلة للتنزيل والتحرك.

- س3: الاختلاف حول نوع المتغيرات المناسبة للمرحلة, مما ينتج مدارس متباينة المنهج : كالمنهج (الإصلاحي) الوقوعي, الذي يقتصر على المتاح والممكن, والمنهج الضغطي الإنقلابي, والمنهج الوسطي الراشد...

- س4: القدرة على ضبط المعادلة الصعبة (نص, عقل, واقع), وذلك بمنح كل عنصر المساحة المعقولة في الاجتهاد والتجديد. وإن الاختلال في الضبط أفرز ظواهر فكرية شادة, بعيدة عن الوسطية والتجديد, من بينها:

". الفكر الظاهري : الذي يقف عند حرفية النص, ولا ينفذ إلى مقاصد الشرع, ولا يهتم بمصالح الخلق...

. الفكر التقليدي : الذي يبحث عن حل كل معظلة فكرية أو سياسية أو تشريعية في كتب المتأخرين من علماء مذهبه, دون النظر إلى الشريعة بمفهومها الرحب. كما لا ينظر إلى العصر وتياراته ومشكلاته...

. الفكر الجمودي : الذي يقول بمقولة " ما ترك الأول للآخر شيئا, وليس في الإمكان أبدع مما كان "[2>

أكيد أن الحركات الإسلامية سالمة من هذه العلل الفكرية, إلا أنها مصابة بمظاهر أخرى من القصور والاختلال, نجملها في النقط التالية :

. التقصير في التكوين العلمي, مما يضعف قدرتها على الاجتهاد الشرعي والتنظير السياسي والفكري...

. غياب التخصص الكافي, مما يحيل إلى التجريب والتمطيط الزمني...

. التركيز على المناسبات وفكر المحن وردات الفعل في التعبئة والتوسع واتخاذ القرار.

لكن المراجعات الذاتية للحركات الإسلامية, الناتجة عن النقد الداخلي والخارجي, تمثل قنطرة نحو تصحيح الأوضاع الداخلية وتطوير المناهج والتقريب بين التجارب.. كما أن مجهودات بعض العلماء والدعاة, الذين لازموا الحركات الإسلامية بفكرهم وعلمهم وتوجيهاتهم, ساهم ويساهم في ترشيدها ونضجها.

وللاستدلال على ذلك نسوق نصيحة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله, التي دعى فيها إلى تجديد الفقه الحركي باعتماد :

" . فقه الشرع : الذي يقوم على فهم عميق لنصوص الشرع ومقاصده.

. فقه الواقع : الذي ينبني على دراسة الواقع المعاش دراسة دقيقة مستوعبة لكل جوانب الموضوع. معتمدة في ذلك على أصح المعلومات وأدق البيانات والإحصاءات. مع ضبط موازين القوى, وتحديد خريطة التدافع, وإدراك حجم الذات, واستيعاب مداخل التنزيل...

. فقه الموازنات : أهميته أنه يدفعنا للانطلاق واقتحام العقبة بوعي وبحكمة, ودون إفراط أو تفريط. إنه يحول دون الانغلاق على الذات, والتقوقع على النفس أو التآكل الداخلي. إنه تحرير الفعل في اتجاه دخول الباب على الآخر. ويتم باتباع :

* الموازنة بين المصالح بعضها ببعض, من حيث حجمها وسعتها, ومن حيث عمقها وتأثيرها، ومنحيث بقاؤها ودوامها... وأيها ينبغيأن يقدم ويعتبر, وأيها ينبغي أن يسقط ويلغى ...

* الموازنة بين المفاسد بعضها ببعض, يعتمد المنهج السابق نفس.

* الموازنة بين المصالح والمفاسد إذا تعارضتا, بحيث نعرف متى يقدم درء المفسدة على جلب المصلحة, ومتى تغتفر المفسدة من أجل المصلحة.

. فقه الأولويات : يوضع كل شيء في مرتبته, فلا يؤخر ما حقه التقديم, أو يقدم ما حقه التأخير, ولا يصغر الأمر الكبير, أو يكبر الأمر الصغير"[3>. إن " تحديد الأولويات مرتبط بحجم العقبة المعينة, وخطورتها ودورها وأهميتها في المكان والزمان والمعطيات المحددة "[4>. " على أن التوفيق في تحديد سلم الأولويات من بين الأهداف الوسيطة يقود فورا إلى إشكالية أخرى لا تقل أهمية, وهي كيفية تحقيق الهدف, أي كيفية مواجهة العدو وكيفية معالجة سلم الأولويات, بمعالجة كل هدف بما يستحقه وضمن حدوده وحجمه, أي إشكالية أسلوب التغيير – الإستراتيجية والتكتيك –"[5>

. فقه الجزئيات في ظل الكليات : إنه التدقيق في تفاصيل الأمور؛ أي في ظل الأهداف الكلية الثابتة, تحدد الأهداف الوسيطة, ونوع العقبات, والأسلوب المناسب للتغيير, والتوقيت لذلك....

إن هذا التجديد في الفقه سيحقق طفرة مهمة في العمل الإسلامي, شريطة توفير علماء عاملين, أو بالأحرى إيجاد مؤسسة علمية مستقلة, والدفاع عن دورها وحمايتها من الاحتواء. كما أنه مشروط بتوفير برنامج تربوي داخلي, يمكن من تطوير مستوى الاستيعاب والتحليل والانتاج عند أبناء الحركة الإسلامية. فالتجديد أمر خطير, له أهله و" يصعب على العوام وأمثالهم القادرين على التشويش لأدنى سبب".

د- خلاصات :

* للتكليف أكثر من عنوان ( الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, والأمانة, والرسالية, والشهود, والجهاد...), وبمفاهيم متباينة نسبيا, لكن بحكم شرعي واحد...

* التباين بين مفاهيم الشهود والتبليغ والدعوة يضعنا أمام المقاربة التالية : الشهود التبليغ الدعوة

* هذه السعة في المفهوم تعمق من المسؤولية, فهي لا تدع للمكلف مفرا أو عذرا‹ كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته... › , فلكل موقعا مناسبا لإمكاناته واستطاعته, فمثلا الفصيح الذي حلت عقدة لسانه, أوصاحب ملكة حفظ واسعة أولى بالتبليغ البياني؛ أما من زاده الله بسطة في العلم والجسم فإنه يدخل التكليف من أي الأبواب شاء؛ ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا.

* سنن وقواعد التغيير تمثل بوصلة المشاريع النهضوية. الأخذ بها يعبد الطريق ويختزل الوقت والجهد... وذلك بتحديد المرحلة وتحليلها, وضبط ميزان القوى عندها, وتعيين المهام الرسالية المناسبة لتلك المرحلة. مع لجم الكل بثوابت أساسية.

* الاختلاف بين مشاريع التغيير إذا كان معقولا ومؤطرا بأخلاقه, فإنه يغني الساحة ويزيد من صلابتها. لكن إذا بني على الوهم والذاتية فإنه يعتبر ممقوتا يستحق التجاوز...

-------------------------------------------
كمال الجيلالي - مقال منهجية تدبير الجودة عن كتاب الجودة في الجمعيات والمؤسسات- ص 98.[1>
د. يوسف القرضاوي – أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة – ص121.[2>
د. يوسف القرضاوي – المرجع السابق - ص 26..34 بتصرف .[3>
د.منير شفيق – في نظريات التغيير – ص 22.[4>
د.منير شفيق – المرجع السابق - ص24.[5>

إضافة تعليق


Security code
تغيير رمز الحماية

  • جميع الحقوق محفوظة لموقع سراج نت 2005-2012
  • المقالات والآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع