الحركة الإسلامية
الحركة الإسلامية بالمغرب الحلقة الرابعة
وما هي أستاذ عبدالوهاب أبرز محطات "حركة الاختيار الاسلامي"؟بعد الانشطار الذي شهده تنظيم الشبيبة الاسلامية في مطلع السنوات الثمانينية من القرن الميلادي الماضي ،ظهر تيار له رؤية تجديدية في مسار العمل الاسلامي بالمغرب ،وتتميز هذه الرؤية بالتفاعل الفكري مع مختلف المكونات الموجودة بالبلاد حيث أن الفكر والثقافة بالنسبة لها يعتبر جزء من دعوة الاسلام ،وليست الدعوة الاسلامية محصورة في الوعظ والارشاد والشأن الإخباري والإفتاء.
لكن هذا التيارلم يكن متبلور على شكل تنظيم أو حركة واضحة المعالم بقدر ما كان يمثل تتيارا تتجاذب وتتقارب فيه فعاليات عدة لها نفس الاهتمامات والرؤى من أجل الاصلاح والتصحيح والترشيد والفعل النهضوي ،هذه الفعاليات في معظمها لم تكن أصلا منتمية الى تنظيم الشبيبة الاسلامية الذي صار مرحلة من مراحل الماضي، ثم جاءت محاولات للاندماج مع مكونات اسلامية تحمل رؤى متقاربة في بداية العقد الأخير من القرن العشرين الميلادي ،خصوصا رابطة المستقبل الاسلامي ،ولكن ذلك لم يتيسر نظرا لظروف متعددة.
وكانت مبادرة لتكوين حزب وطني سياسي ،ولكن ذلك أيضا لم يتيسر ،وجرى مخاض تنظيمي لخلخلة التيار وفصل المتشاكسات فيه ،فخرجت حركة البديل الحضاري من رحم التنظيم عقب اختلافات تنظيمية أكثر منها شيئا آخر ،ثم ظهرت الحركة من أجل الأمة كخيار واستمرار في نهاية العقد الأخير من القرن العشرين،يجمع أهم مكونات تيار الاختيار الاسلامي ،وقد تميزت بالمؤسسات الواضحة التي منها المؤتمر التأسيسي ،ومجلس الشورى ،والأمانة العامة ،وشبيبة الحركة .وبعد سنوات من تكوين الحركة من أجل الأمة جاء حدث الاعلان عن حزب الأمة الذي لم يكن يمثل تحولا في مسار أو تنظيم الحركة بقدر ما مثل تجميع رؤية للعمل السياسي بالبلاد في شكل حزب وطني قانوني يهتم بكل ماهو سياسي ،بينما تبقى اهتمامات الحركة اسلامية متنوعة وحضارية متعددة متمثلة في الدعوة الاسلامية والاصلاح الديني والفكر الاسلامي والتربية والثقافة والاعلام ..وكل ما يدخل في مصالح الأمة وصالح الوطن.
اشارة أولى الى أن الحركة الاسلامية بالمغرب بتنظيماتها المختلفة ظلت قاصرة عن استيعاب واستقطاب الصحوة الاسلامية في تنظيماتها ومؤسساتها ،فقد ظلت هذه الصحوة أوسع من الحركة بكثير ،كما أن الحركة الاسلامية ظلت متواضعة في تأثيرها على الجماهير ،محدودة الامكانات من حيث المؤسسات والعلماء والدعاة والمفكرون وأجهزة الاعلام ومنابر الدعوة..وفيما يطرح أمامها من تحديات.
هذا الوضع يجعل مكونات الحركة الاسلامية بمختلف اختياراتها أحوج ما تكون الى وحدة الجهود والتعاون على الخير والنفع ان تعذر تحقيق الوحدة بالاندماج.وقد بقيت مكونات رابطة المستقبل الاسلامي متواصلة بعد انصرام الشبيبة الاسلامية لأنه لم يكن يوجد بين هذه المكونات ما يدعو إلى الاختلاف ،خصوصا مع وحدة المنطلقات والأهداف والتحديات والتطابق في التصور العام لحقيقة الدين وأضرار الأمة وعلل المجتمع ،مع واجب الدعوة والاصلاح.
وقد كان الاهتمام المميز لهذه المكونات دعويا تربويا ثقافيا أكثر منه سياسيا أو شيء آخر.لأجل ذلك لم يكن هناك من مسوغ للخلاف أو لتفريق الجهود.
أما حركة الاصلاح والتجديد فقد كانت الرؤية السياسية عندها هي التي تطرح موضوع النقاش ،خصوصا وأن لها عزما واصرارا على النزول للميدان السياسي بغير كثير شروط أو ضمانات ،بينما كانت المكونات الأخرى تتحفظ من هذا النزول وتؤخر الاهتمامات السياسية في برامجها ،ولعله الشأن نفسه الذي استبطأ وحدتها مع حركة الاختيار الاسلامي بل ألغاها الى أجل غير معلوم ،نظرات لغموض هذه الدائرة فجاءت الوحدة بين مكونات رابطة المستقبل الاسلامي وجماعة الاصلاح والتجديد فيما سمي فيما بعد "حركة التوحيد والاصلاح".وانطلقت مع ذلك الحراك حزب العدالة والتنمية من خلال وحدة أخرى سياسية مع حزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية لعبد الكريم الخطيب ،ومع ذلك فقد بقي التباين واضحا بين الرؤية السياسية لرابطة المستقبل الاسلامي وعناصر الاصلاح والتجديد يتبلور ذلك أكثر داخل حزب العدالة والتنمية.
هي تجربة تقدر مجهودات أصحابها،وقد مثلت محاولات للإصلاح والتوعية والفعل الإيجابي والاعلام المستقل والباني ،وان كان يغلب عليها الطابع النقدي والاحتجاجي،،فإن هذا المسار لا يكفي وحده في الطريق الطويل لمسيرة التنمية والنهضة،وبناء المجتمع المنشود،ثم إن التجربة كانت يتيمة من حيث الإمكانات المادية ،،فلم تجد لها ما يسندها ،وشرط المال والإمكانات ضروري في انشاء واستمرار أي مشروع ،وقد كان هذا هو العائق الأكبر أمام الاستمرار.
ووقع أيضا ما وقع من تحولات في مسار حركة الاختيار الاسلامي من أهمها الاختلاف في السير التنظيمي للحركة،فكان لذلك تأثير على مسار جريدة"الجسر"التي أصبحت تمثل اللسان الاعلامي لحركة البديل الحضاري ،ثم جاء دور جريدة" النبأ "التي مثلت الواجهة الاعلامية "للحركة من أجل الأمة"فأخذت موقعها المتميز هي الأخرى في المشهد الاعلامي المغربي.
وما ميز الجريدتين عن باقي المنابر الاعلامية في المغرب واعطاهما استحقاق التميز والامتياز هو كونهما غير اخباريتين نمطيتين كما هو حال العديد من الصحف ،وانما تطبعهما صفات النقذ والتحليل والرؤية العميقة لمشاكل الشعب والأمة والجرأة في طرح القضايا والمقاربات وتوصيف الداء والدواء،ونوع الشخصيات التي كانت تستضيفها وتقدمها كل منهما،وتشجيع الأقلام الواعدة ،ونصرة القضية الفلسطينية،مع مواجهة الصهيونية والتطبيع..
لا أرى أن هناك أسبابا جوهرية في القناعات المبدئية والفكرية التي تتوحد على نفس المنطلقات والمقاصد والأهداف داخل تيار الاختيار الاسلامي ،فقد كانت الرؤى لمشاكل المجتمع تنظر من نفس الزوايا ،متفق عليها وعلى ترتيبها،كما أن طرح العلاج كان بنفس الكيفية ،أي العمل على الاصلاح بمداخله الثقافية والفكرية والتربوية والدعوية ،مع تحري الاستقلال لهذا التحرك لهذا العمل،وغير هذا من نقط كثيرة مشتركة،أما أسباب خروج أو تكون البديل الحضاري كجمعية أولا ثم كحركة ثم كحزب،فأراها راجعة بالأساس الى الخلافات التنظيمية والاختلاف في المقاربات التنظيمية ،أي في طريقة التسيير ،سواء في وضع الآليات أو في الانضباط لهذه الآليات ،وطريقة معالجة الاشكالات الداخلية :التنظيمية وليس الفكرية وغيرها .
هذا الذي يجعل الاستقلال أحيانا بشكل حضاري أسلم من الفتنة والصراع.
افتراق من هذا النوع يمكن أن يكون سلبيا أ ايجابيا بحسب دوافعه ونتائجه وليس بالضرورة سلبيا في جميع الأحوال ،لأن المسألة التنظيمية أساسا تقديرية اختيارية،فيكون التنظيم ومن ينتمي إليه بحسب الإنتاج النافع والفعل الإيجابي وكذلك بالنسبة للمواقع التي يأخذها كل شخص داخل التنظيم ،هذا أولا.
ثم إن الافتراق الذي وقع بين حركة البديل الحضاري والاختيار الاسلامي كان تنظيميا أكثر منه شيئا آخر،لأجل هذا فلن يكون هذا الافتراق صعب التأثير .عدا هذا فالمجموعة التي أسست حركة البديل الحضاري كانت محدودة جدا.
فالتحديات التي طرحت وما تزال تطرح أما الاختيار الاسلامي هي أكثر بكثير من بقاء أو بغياب عناصر البديل الحضاري ،وكذلك الأمر بالنسبة لحركة البديل الحضاري ،ومن ناحية أخرى فربما يكون الافتراق واعادة التأسيس أفضل للفريقين وللعمل الاسلامي،طالما أن الأمر تنظيمي وتقديري ليس إلا.
عن المبادرة بريس