من عيون الكتب
كتاب -القرآنُ وعلمُ النّفس-
القرآنُ وعلمُ النّفس
تأليف: د. محمّد عثمان نجاتي
قراءة: ذ. عبد الوهّاب الفغري
ـ الدكتور محمّد عثمان نجاتي: أستاذ علم النفس بجامعة القاهرة وجامعة الكويت وجامعة الإمام محمّد بن سعود الإسلامية سابقاً.
ـ عدد الصفحات: 320 صفحة.
ـ إصدار: دار الشروق: الطبعة الخامسة (مزيدة ومنقّحة): 1414هـ ـ 1993م.
ـ الطبعات السابقة: 1982 ـ 1985 ـ 1987 ـ 1989م.
موضوع مثل هذا يستلزم من الباحث فيه أن يتميّز بجانب مهمّ من الموسوعيةالتي تجمع بين التخصّص العلمي والتفوّق فيه والفهم الشرعي للنّصوص وفقهها. ومشروع أسلمة المعرفة يتطلبمثل هؤلاء الرجال ومثل هذه الأعمال للنهوض به. إذ أنّ الأمّة تعاني كثيراً من الانفصام الكبير الذي يعانيه جلّ علمائها الشرعيين وعلمائها الطبيعيين. فأولئك يعانون من غلبة الطابع التقليدي، وهؤلاء يعانون من مخلفات المدرسة العلمانية التي خرجتهم وهم مدينون لها. ليس القصد إثبات أنّ ما أعطته مجالات علم النفس من نتائج في دراسة النفس الإنسانية والسلوك البشري قد ذكر في القرآن منذ أربعة عشر قرناً. فلتطمئن بذلك صدور المؤمنين، وقد تصيب معطيات علم النفس أو غيره من العلوم وقد تخطئ. بالأخصّ باعتبار علم النفس ليس علماً طبيعياً بحتاً، فلابدّ أن ترتبط الدراسات والمناهج والقواعد والنتائج فيه ببيئة الباحثين ومدارسهم وانتماءاتهم وخلفياتهم ... لكن ما يهمّنا في شأن ما نبحث عنه من توفيق، هو النتائج المتفق عليها المشتركة بين جميع أنواع البشر في أي زمان ومكان، والمنسجمة مع المنطق العلمي السليم وتوافق هذه النتائج مع القرآن الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه حتى تكون هذه النتائج آكد وأفيد.
الدكتور محمّد عثمان نجاتي ركّز على مجالات التوفيق بين كثير من نتائج علم النفس ونصوص الوحي ولم يقف على أخرى قد يقع فيها تعارض أو اختلاف، وإن حصل ذلك فإنّنا نتهم نتائج علم النفس أو صحة الثبوت إن كان الأمر يتعلق بالحديث النبوي أو صحة الدلالة إن كان الأمر يتعلق بقرآن أو حديث صحيح .
الدكتور نجاتي ـ حتى إصدار هذه الطبعة ـ يشرف على مكتبة التحليل النفسي والعلاج النفسي التي أصدرت عدّة مؤلفات في هذا المجال، كما يشرف على مكتبة أصول علم النفس الحديث وعلى ترجمتها والتي أصدرت مؤلفات لدكاترة نفسانيين غربيين من جامعات متعدّدة تولّى ترجمتها دكاترة عرب متخصّصون.
وللمؤلف كتبٌ في الميدان نذكر منها: "الإدراك الحسّي عند ابن سينا" و"علم النفس والحياة" و"علم النفس الصناعي" و"المدنية الحديثة وتسامح الوالدين" و"علم النفس الحربي" و"ملامح جريمة القتل" و"الحديث النبوي وعلم النفس"، وله أيضًا بحوث ومقالات متعدّدة في الميدان. إنّ ما قام به الدكتور عمل يحتذى به في جميع العلوم حتى تكون متصلة بالوحي ولا تبقى فريسة الأهواء والاتجاهات القائمة على الإلحاد والوثنية أو الديانات المحرّفة. ويمكن أن تُتابع المحاولة في علم النفس نفسه لاستخراج حقائق أخرى في هذا الشأن من القرآن الكريم. فهو الذي لا تنقضي عجائبه كما أخبر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم. والمؤلف لم يخرج هذا البحث إلا بعد أربعين سنة من الاهتمام بالموضوع. وهو يقول في نهاية مقدّمة الكتاب: "ولا شكّ أنّنا في حاجة إلى مزيدٍ من الاهتمام بدراسة تراثنا الإسلامي مبتدئين بالقرآن الكريم، والحديث الشريف، ثمّ متتبعين تطوّر التفكير في الدراسات النفسية لدى الفلاسفة والمفكرين المسلمين بهدف معرفة المفاهيم الإسلامية فهمًا صحيحًا يكون هادياً لنا في دراساتنا النفسية، وعوناً لنا في تكوين نظرياتنا الخاصّة عن الشخصيةالإنسانية بحيث نجمع بين دقّة البحث العلمي الأصيل والحقائق التي وردت في القرآن الكريم عن الإنسان وهي حقائق يقينية لأنّها صدرت عن الله تعالى خالق الإنسان {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيلٌ من حكيم حميد}".
وممّا تناوله البحث من اهتمامات لعلم النفس تختصّ بالإنسان وأوردها القرآن الكريم:
ـ دوافع السلوك: من فسيولوجية كدافع حفظ الذات، أو نفسية روحية كدافع التملّك ودافع التديّن، أو لاشعورية. وما يقع من صراع بين الدوافع، أو سيطرة عليها أو انحراف لها.
ـ الانفعالات ـ وهي متعدّدة جدّاً ـ وما يصاحبها، والسيطرة عليها.
ـ الإدراك الحسّي المتصل بالحواسّ والخارج عن نطاقها.
ـ التفكير: خطواته وأخطاؤه.
ـ التعلّم: مصادر العلم وتعلم اللغة وطرق التعلم ومبادؤه ودوافعه.
ـ العلم اللّدنّي: كالإلهام والرؤى.
ـ التذكّر والنسيان: وهنا أورد دور الشيطان كعامل غيبي تختصّ به الرؤية الإسلامية دون العلمانية، وعلاج النسيان في القرآن، ودور العبادات كالصلاة والذكر والتوبة.
ـ الجهاز العصبي والمخّ: وقد وصل ما ذكر في القرآن بشأنه بالاكتشافات العلمية الحديثة.
ـ الشخصية: وقد أورد جملة من متعلقاتها وأنماطها.
ـ العلاج النفسي: وقد تضمّن الأدوار المهمّة للإيمان وأسلوب القرآن في علاج النفس من خلال العقيدة والتقوى والعبادات والذكر والتوبة والأخلاق والفضائل.
وممّا نسوقه كأمثلة لإعطاء صورة عمّا ذكر:
ـ بالنسبة للإدراك الحسّي الوارد في الفصل الثالث نجد دلائل إعجاز متعدّدة تتعلق بالحواس وبالأخصّ السمع والبصر اللذين ذكرا مرتبطين في آيات كثيرة من الذكر الحكيم. وغالباً ما يذكر السمع بصيغة المفرد مقدّماً على البصر بصيغة الجمع حيث استطاعت الكشوفات العلمية فيما بعد أن تبيّن السرّ في ذلك. كما تعرض للحواس الجلدية وللإدراك الحسّي الخارج عن نطاق الحواس، ومنه ما ورد في سورة يوسف عند قوله تعالى:{ولمّا فصلت العير قال إنّي لأجد ريح يوسف لولا أن تفنّدون} الآية:94، وفي نفس السورة عند قوله تعالى:{وأنبّئكم بما تأكلون وما تدّخرون في بيوتكم}.
ـ مبادئ التعلّم في القرآن الواردة في الفصل الخامس المتعلق بالتعلم في القرآن: من هذه المبادئ "التكرار" الذي برهنت دراسات علماء النفس على أهميته في عملية التعلّم ممّا حذا بالمؤسّسات التجارية والصناعية إلى اعتماده في ترويج سلعتها. هذا المبدأ يعتمد في القرآن الحكيم من أجل ترسيخ بعض المفاهيم في الأذهان كعقيدة التوحيد حيث نجد عبارة {أإلهٌ مع الله} قد ذكرت خمس مرّات في سورة النمل وتكرّرت عبارة {اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غيره} على لسان ثلاثة أنبياء في سورة هود والعبارة نفسها تكرّرت مرّتين في سورة المؤمنين وقد تعدّد هذا المنوال في سور كثيرة من كتاب الله. ويهدف القرآن من تكراره لذكر هذه الأمور الغيبية إلى استقرار الإيمان بها في النفوس، وإلى تثبيت ما يبثه أثناء سرده لها من عقائد وعبر وعظات. وقد يكون لتغيير الصيغة مع الحفاظ على تكرار الفكرة تأثير متميّز. وذكر ما راعاه القرآن في أكثر من موقف، وهو ما أثبته المتخصّصون.
ـ التدرج في تعديل السلوك: وهو ضمن مبادئ التعلم في القرآن: يعدّ هذا التدرج أسلوباً متبعاً لدى بعض علماء النفس المحدثين في العلاج النفسي. ونلحظ هذا الأسلوب في القرآن الكريم عند معالجة بعض العادات السيّئة التي استفحلت عند العرب في الجاهلية، ومن ذلك التدرج في تحريم الخمر. وفي تحريم الربا. ويعرف حالياً هذا الأسلوب في العلاج النفسي بـ"التشكيل".
ـ أنماط الشخصية في القرآن: وهي فقرة ضمن الفصل التاسع المتعلق بالشخصية في القرآن. وقد اهتمّ المفكرون عبر العصور التاريخية المختلفة، وكذلك علماء النفس المعاصرون بمحاولة تصنيف الناس إلى عدّة أنماط من الشخصية حسب المميّزات والسمات. أمّا القرآن الكريم فقد صنّف الناس على أساس العقيدة إلى ثلاثة أصناف: هم المؤمنون والكافرون والمنافقون. وقد استطاع المؤلف أن يستخرج ويرتب سمات كلّ صنف من خلال آيات القرآن الحكيم.