فكر و ثقافة
تعاملُ مُفكّرينا مَع التُراث
قلم: ذ.عبد الوهّاب الفغري
يمثل التراث لكلّ أمّة رصيدها ومخزونها وذاكرتها فهو خزّان من إنتاجها الفكري والثقافي والإبداعي فيما مضى من زمانها. يتضمّن هويتها التي تميّزها بين الأمم. وجزءًا مهمّاً ممّا حدّد خصائصها في الماضي. وممّا يحدّدها أيضًا في الحاضر. وله حضورٌ وتأثير في مستقبلها أيضًا.
والأمّة الإسلامية كأمّةٍ يجمعها التوحيد والدّين الإسلامي، على اختلاف أعراقها، وثقافات وانتماءات شعوبها. ومكوّناتها البشرية؛ أمّة ارتكز تراثها على الوحي الكريم المتضمّن للقرآن وسنّة النّبيّ الخاتم محمّد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وسيرته. ثمّ ما تلا ذلك من خصائص العقيدة والشريعة الإسلاميتين، ونشوء وتطوّر الفقه والفكر الإسلاميين، وانتشار ظاهرة المذاهب والمدارس الإسلامية. سواءٌ على المستوى الفكري العقدي، أو الفقهي التشريعي، أو الرّوحي السلوكي .. وغير هذه من المستويات من علوم وثقافة ومعارف وإبداع وفلسفةٍ وعمران ..
وقد كان للعرب دورٌ كبير في تكوين وتطوير التراث الإسلامي بحكم نشوء رسالة الوحي فيهم وتحمّلهم المسؤولية الأولى والمركزية فيها. وهم مع ذلك مختلفون شعوبًا وأعراقاً ومذاهب وأدياناً أيضًا.
كما أنّ للأقليّات غير المسلمة أدوارًا في تكوين وتطوير التراث الإسلامي، بحكم انتمائهم إلى الحضارة الإسلامية، وإبداعاتهم في هذه الحضارة ومساهمتهم في المجتمع الإسلامي بكلّ عطاءاته، ووجودهم المستمرّ في التاريخ والجغرافية الإسلامية.
المتمون من المثقفين والباحثين والمفكرين والنّقاد، بالتراث الإسلامي، شكلوا أصنافاً عدّة، لم تكن على قلب رجل واحد، ولا على نفس الانشغال والاشتغال والمقصد.
فمنهم المسلمون وغيرهم، والعرب وغيرهم. منهم المنتمي لعقيدة الأمّة الإسلامية أو المساند لها. فكان مقصده التعامل الإيجابيّ. ومنهم المناقض لهذه العقيدة. وبعضهم من الأمّة نفسها. له مقصد غير الدفاع أو التبنّي.
ومنهم الذي همّه التزام الحياد والبحث العلمي والتحليل النّقدي. بغير خلفية الدفاع أو التهجّم.
فممّن نذكر من الغربيين الذين اهتمّوا بالتراث العربي، فتعلموا العربية لأجله، وترجموا بعضه، ودعوا إلى الاستفادة منه، ونوّهوا بالعرب أو بدور رسالة الإسلام في إنتاج هذا التراث ونفع الإنسانية. نذكر:
ـ من الألمانيين: كارل بروكلمان والكونت شاك وسينغريد هونكه وآن ماري شيمل وفريتس شتيبات والأديب جوته.
ـ من الفرنسيين: سيديو، وغوستاف لوبون، ولويس أراغون، ورجاء جارودي.
ـ من الإنجليز: تشارلز بورتون والمؤرّخ أرنولد توينبي.
ـ من المجر: المفكر اليهودي جولد تسهير.
ـ من إسبانيا: خوان غويتيسيلو.
ـ من النّمسا: المفكر ليوبولد فايس. وقد كان يهوديًا، فاعتنق الإسلام وتسمّى محمّد أسد. وله مؤلفات عن الإسلام منها: "الإسلام على مفترق الطرق".
ـ من البوسنة والهرسك: الرئيس الأوّل للجمهورية علي عزّت بيغوفيتش من مؤلفاته: "البيان الإسلامي" و"الإسلام بين الشرق والغرب".
ومن المسيحيين العرب آل اليازجي وآل البستاني وآل الريحاني والمعالفة .. وفيليب حتّى ومارون عبّود ولويس شيخو وجرجي زيدان وجبرائيل عبد النّور وجبرائيل سليمان جبّور .. وكلهم من لبنان. وأحمد فارس الشدياق وإدوارد سعيد. وقد اعتنق هذان الإسلام.
ومن العرب المسلمون الذين تناولوا أيضًا التراث العربي الإسلامي بعين الفحص والانتقاء. وبالتحليل، والدعوة إلى التعامل الإيجابي معه نذكر مصطفى صادق الرّافعي وعبّاس محمود العقاد وعلي أحمد باكثير وأنور الجندي وأحمد البهي ومحمود أحمد شاكر ومحمّد الغزالي ونجيب الكيلاني ومحمّد عمارة وتوفيق الطويل. وكلهم من مصر. وآل الوزير من اليمن؛ والمفكر الجزائري مالك بن نابي.
ومن باقي العالم الإسلامي آل النّدوي في الهند وعلي شريعتي من إيرن، ومن الفئة التي تعاملت بحيادية كانت أقرب إلى إعمال المعيار الفلسفي أو العلمي أو الأكاديمي، نذكر من الغربيين مايستينون وبرونو إتيان.
ومن العرب: أحمد أمين وعمر فرّوخ وعمر رضا كحالة وصلاح الدّين المنجد وحسن حنفي ومحمّد عابد الجابري ورضوان السيّد وهشام جعيط ومحمّد عبد المجيد النّجار ..
ومن المسيحيين نقولا زيادة وقسطنطين زريق.
وأمّا المتحاملين أو المغرضين، أو الذين تحرّكهم خلفية أو مذهبية مناقضة للإسلام أو مناوئة له. فنذكر من الغربيين فولتير ومكسيم رودنسون وأرنست رينان.
ومن العرب أحمد لطفي السيّد، وسلامة موسى، وهو قبطي وجودي. وطه حسن، سيما في عقوده الأولى. وزكي نجيب محود وفرح فوده ونصر حامد أبو زيد. وسعيد عقل.