الأحد 20 مايو 2012
ثقافة وأدب فكر و ثقافة التحدّي التربوي

التحدّي التربوي

قلم: ذ. عبد الوهاب الفغري

منذ أن نشأت وتطوّرت المعرفة عند الإنسان، وجاءت الفلسفة والحضارة إلا وقد صار للتربية موقعها بين هذه الظواهر الإنسانية. فكان لها نصيبها من الاهتمام تنظيرًا وإجراءً.

وكانت التربية محطّ الاهتمام والتركيز عند الفلاسفة والمفكرين والمثقفين والسياسيين، والدّعاة والفقهاء في الإسلام. حيث  نشأت وتطوّرت النّظريات والمدارس. وكان لها حيّزها الوافر في مشاريع الإصلاح والتنمية والتغيير.

بناءً على هذا وغيره، فإنّ كلّ مشروع في بلادنا سواء القطرية أو العربية أو الإسلامية. سواء كان هذا المشروع لفرد أو لجماعة أو لدولة جادّة .. ينبغي أن يجعل للتربية موقعها ضمن تحمّلاته.

غير أنّه يمكن أن نفصل في المصطلح  والموضوع من حيث  دائرة ما يعنيه. من جهة هل ينسحب على الصغار فقط، أم هل يطال الكبار أيضًا. ومن جهة أخرى هل تتحدّد التربية في شأن محض العبادات ممّا يسمو بالنّفس الإنسانية كالشعائر من صلاة ونوافل وذكر ودعاء واستغفار وقربات وتجنّب للمعاصي واجتهاد في الطاعات، وكلّ هذا يصطلح عليه بالتزكية أيضًا إسلاميًا، أم أنّها تطال أيضًا الأخق العامّة وتحسين السلوك والطبائع والمهارات، من مثل ترقية التعامل مع الزمن والنّاس ومختلف التكاليف والاهتمامات ليكون المردود دائمًا إيجابيًا ومترقيًا. وهذا المعنى الأخير للتربية يبدو عامّاًيعني المسلمين وغيرهم.

في هذا الموضوع نحاول أن نتناول بعض الإشارات في موضوع التربية. بمعناه العامّ الذي يشمل كلّ الفئات العمرية للنّاس وكلّ أنماط السلوك للشخص.

واللفظ من حيث اشتقاقه اللغوي يفيد السموّ والارتفاع والتطوّر. فالربوة هي المرتفع والربا هو الزيادة. وهو مرادف للتزكية والتسامي والزيادة والنّموّ .. دائمًا في الاتجاه الإيجابي. فلا يتحدّث عن تربية سلبية.

في استقرائنا للتاريخ نلاحظ أنّ التربية كانت حاضرة في برنامج الحركات الإصلاحية أو التغيرية .. وما كان منها علمياً أو سياسيًا أو اجتماعيًا، أو في برامج الدول التي قامت على ثورة تروم الاستقرار والاستمرار والتنمية.

يبدو هذا جليًا في الحركات والدول والحضارات الكبرى والعظيمة والأكثر تأثيرًا في مسار التاريخ مثل حركة الاسكندر المقدوني وكونفوشيوس ومحمّد المهدي بن تومرت.

وما صاحب النّهضة الأوروبية في شأن التربية كالمتخصّصين التربويين والمدارس التربوية التي ازدهرت وتطوّرت مع هذه النّهضة، فكان لها إسهام واضحٌ فيها. إلى أن أصبح لهذا النّوع من المعرفة والسلوك فروع ومدارس وإبداعات.

ونلاحظ أنّ حركات النّهوض في العالم العربي والحركة الإسلامية في عموم العالم الإسلامي كانت ملزمة بالعناية بالشأن التربوي كقاعدة لانطلاقها، ثمّ كوسيلة من آليات تحرّكها، ثمّ كأهداف تروم الوصول إليها. فكان جمال الدّين الأفغاني ومحمّد عبده ومن رافقهما يتكلمان ويكتبان في الشأن ويحثان المهتمين من علماء وفقهاء وسياسيين بإصلاح التربية كمدخل إلى الإصلاح العامّ ومنها التعليم وأخلاق المجتمع.

وكان محور جماعة الإخوان المسلمين منذ نشوئها وفي توجيهات الإمام حسن البنّا، كان يتمحور حول التربية التي ركّز عليها الإمام تركيزًا. فكانت هذه النتائج عاملاً مهمّاً في انتشار نفوذ الجماعة داخل مصر وخارجها.

وحين حاول محمّد إلياس مع شيوخ الدعوة الإسلامية في الهند أن يعودوا بالمسلمين هناك إلى طهارة الإسلام وحقيقته جعلوا التربية ديدناً لا يحيدون عنه. فكانت حاضرة بقوّة في أدبياتهم ورسائلهم وسلوكهم. وعندما تحرّك بديع الزمان سعيد النّورسي بالدّعوة الإسلامية انصرف إلى التركيز على التربية للنّهوض بأفكار الدّاعية إلى الحفاظ على الدّين الإسلامي وتمتينه لدى الأمّة. فكانت رسائل النّور تربوية، واجتهد على نفسه تربوياً طوال حياته. وجعل التربية تنتقل بالوسائل المختلفة في تركيا من مكان إلى آخر من فئة إلى أخرى، ومن جيل إلى جيل.

ونحن نطرح تحدّي التربية في هذا المقام فإنّنا لا نعوّل على الدولة ووزارتها الوصية أن تراجه تحمّلاتها التربوية في هذا الشأن لأنّه يبدو أن الرقع اتسع على الراقع. ولكنّنا نحمل مؤسّسات المجتمع المدني الهادفة إلى الفعل الإصلاحي والتنموي والتغييري في البلاد أن تأخذ على عاتقها الشقّ التربوي في مشاريعها ومساراتها وبرامجها. فالأشخاص الذين يتحرّكون ضمنها لكي يكونوا أسوياء أقوياء فيأتي العمل كذلك، لابدّ أن يأخذوا نصيبهم من التربية في مناحيها المختلفة، ومنها القاعدة العقدية لأنّ العقيدة وازعٌ ودافعٌ ورافعٌ يمثل المنطلق والمقصد الذي يعطي القوّة الكبرى للفاعل الذي يجعل رقابة الله سبحانه فوق كلّ رقابة. والتوجيهات العقدية لا تقف عند حدود الدّنيا، بل تمتدّ إلى الاخرة.

والقاعدة الأخلاقية التي تاخذ من العقيدة أخلاق الصدق والصبر والإخلاص والوفاء والإيثار والإحسان وما سواها من الفضائل التي تناقض وتدفع طبائع حبّ الذات والنّرجسية والغرور والكبر والحسد فتجعل الأخلاق الشخص وجماعته في حرز من الأعطاب التي تعرقل السير ثمّ تأتي عليه فتعطله.

أمّا مهارات الالتزام والانضباط والشيء في موضعه .. وما يجتمع ليعطي الحكمة .. فقد يحصلها تبادل التأثير وتوجيهات القيادة الفذة ومناسبات التكليف والتكوين والتقييم والتقويم.

وهكذا إذن يصاغ برنامج تربوي مواكب لأيّ عمل للشخص أو للمجموعة سواء كان هذا دعويًا أو اجتماعيًا أو ثقافيًا أو سياسيًا أو غير ذلك.

من محصلة كلّ هذا أنّ الإخفاق التربوي سيصيب بالعطب كلّ مشروع من المشاريع المذكورة في أيّ اتجاه كان. بينما النّجاح الذي يحققه أيّ من هذه المشاريع لابدّ أن يكون للشأن التربوي فيه نصيبٌ وافر. والله هو الحكيم.

إضافة تعليق


Security code
تغيير رمز الحماية

  • جميع الحقوق محفوظة لموقع سراج نت 2005-2012
  • المقالات والآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع