الأحد 20 مايو 2012
ثقافة وأدب أعلام ومشاهير محمّد عبده: إمامٌ على درب الإصلاح (في ذكرى وفاته: 11 يوليو 1905م)

محمّد عبده: إمامٌ على درب الإصلاح (في ذكرى وفاته: 11 يوليو 1905م)

قلم: يوسف الملاّج

يحتلّ الأستاذ الإمام محمّد عبده مركز الصدارة بين رجال العرب ومفكريهم العظام في القرن التاسع عشر، وقد كانت حياته غاية في الثراء الفكري والنّشاط الثقافي والاجتماعي، نجد هذا كله واضحًا غاية الوضوح طوال السنوات التي عاشها، سواءٌ في مصر، أو في فرنسا، حين عمل مع أستاذه جمال الدين الأفغاني على تأسيس الصحيفة الأسبوعية المعروفة باسم "العروة الوثقى" التي كان هدفها الدعوة إلى الجامعة الإسلامية والدفاع عن الشرقيين، بالإضافة إلى محاربة التسلط والظلم والطغيان والدعوة إلى التخلص من الاحتلال الإنجليزي، وكانت هذه الصحيفة، أوّل صحيفة عربية تظهر في أوروبا.
لقد بهرتني أفكاره ورؤاه النّقدية وآراؤه الإصلاحية الجريئة، واستشعرت فيها صدقاً ورغبة أكيدة من جانبه في إصلاح أحوال المسلمين والعرب،  فهو داعية وإمامٌ إسلامي، عرف بفكره الإصلاحي ودعوته للتحرّر من كافة أشكال الاستعمار الأجنبي ومحاولاته المستمرة من أجل الارتقاء بالمؤسّسات الإسلامية والتعليمية وسعيه الدائم  للإصلاح والتطوير في الأزهر والأوقاف والمحاكم الشرعية، فبذل الكثير من الجهد من أجل تحقيق التطوّر والإصلاح في المجتمع على الرغم ممّا تعرّض له من سجن ونفي.

ولد الإمام "محمّد عبده" في عام 1266هـ - 1849م  لأب تركماني الأصل، وأمّ مصرية تنتمي إلى قبيلة  " بني عدي" العربية، ونشأ في قرية "محلة نصر" بمحافظة البحيرة.

قام والده بإرساله إلى كتاب القرية حيث تلقى دروسه الأولى، ثمّ بعد ذلك وفي سنّ الخامسة عشر تقريبًا، التحق "بالجامع الأحمدي" - جامع السيّد البدوي بطنطا، حيث تلقى علوم الفقه واللغة العربية كما حفظ القرآن وجوّده، انتقل بعد ذلك الشيخ محمّد عبده إلى الدراسة في الأزهر الشريف وذلك في عام 1865م، وتلقى في هذه الجامعة العلمية والدينية القيّمة علومه المختلفة فدرس الفقه والحديث والتفسير واللغة والنّحو والبلاغة، وغير ذلك من العلوم الشرعية واللغوية، استمر في الدراسة في الأزهر حتى حصل على شهادة العالمية منه عام  1877م.

حاول محمّد عبده الانفتاح على العلوم الأخرى والتي لم يكن الأزهر يهتمّ بتدريسها في هذا الوقت ووجد ضالته في بعض الشخصيات التي أثرت في حياته بشكل فعليّ منهم الشيخ درويش خضر والذي كان يقدّم له النّصح دائمًا ويوجّهه للطريق السليم ويحثه على ضرورة التعرّف على مختلف العلوم الأخرى بجانب العلوم الشرعية والفقهية، وبعد ذلك تعرّف محمّد عبده على الشيخ حسن الطويل الذي كان على دراية بعددٍ من العلوم مثل الرياضيات والفلسفة وتلقى على يديه عدد من الدروس، ثمّ يأتي دور جمال الدين الأفغاني في حياة محمّد عبده وتنشأ بين الاثنان صداقة قوية مبعثها الدعوة للإصلاح.

كان الإمام محمّد عبده ينتمي في تيّار حركة الإصلاح إلى المحافظين الذين يرون أنّ الإصلاح يكون من خلال نشر التعليم بين أفراد الشعب والتدرّج في الحكم النيابي وكان سعد زغلول أيضًا من مؤيّدي هذا التيّار، وهو عكس التيّار الذي يدعو للحريّة الشخصية والسياسية مثل المنهج الذي تتبعه الدول الأوروبية، وكان من مؤيّدي هذا التيّار "أديب إسحاق" ومجموعة من المثقفين الذين تلقوا علومهم في الدول الأوروبية.

انضمّ الشيخ محمّد عبده في صفوف المعارضة للمطالبة بالحريات الدستورية وكان ذلك في عهد الخديوي إسماعيل، وما لبث أن خُلع إسماعيل وتولى ابنه الخديوي توفيق الذي  شعر بخطر الرجلين، فقام بعزل جمال الدّين الأفغاني إلى باريس، واشتدّت معارضة محمّد عبده للخديوي الجديد، ثمّ ضدّ الاحتلال الإنجليزي، فنُفي إلى بيروت، واستدعاه جمال الدين الأفغاني إلى باريس، وأسّسا معًا جمعية العروة الوثقى، وكانت ذات صبغة سياسية، ثمّ أصدرا معًا جريدة العروة الوثقى عام 1884م وقد كان لهذه الجريدة أثرٌ كبيرٌ في العالم الإسلامي ولكن لم يصدر منها سوى ثمانية عشر عددًا وافترقا الرجلان ثانية وعاد الشيخ محمّد عبده إلى بيروت.

ولابدّ أن تستوقفنا محاولات الإمام إصلاح التعليم في الأزهر حيث أراد أن يعلم في هذا الجامع شيئاً نافعًا بدلاً من الشروح العتيقة البالية الخالية من المعنى فوجد نفسه وحيدًا ليس له من الأساتذة من يساعده ولا من دعاة الخير من ينصره بل إنّ الدعوة إلى إصلاح الأزهر هوجمت ووصفت بأنّها ترمي أن يحول هذا المسجد العظيم إلى مدرسة فلسفة وآداب تحارب الدين وتطفئ نوره.
فحين حاول إقناع شيخ الأزهر آنذاك بأن يأمر بتدريس مقدّمة ابن خلدون في الأزهر بعد أن وصف له فوائدها ما شاء الله أن يصف، فلم يصادف قبولاً لأنّ العادة لم تجر بذلك!! وحين دعا إلى إدخال الجغرافيا ضمن علوم الأزهر توجّهت نحوه الألسنة والأقلام بالاتهامات وأنّه إنّما يريد الغضّ من علوم الدين.
وحين قدّم اقتراحًا لإصلاح المحاكم الشرعية قال فيه أنّه ينبغي أن يعين القضاة في مصر من أهل المذاهب الأربعة لأنّ أصول هذه المذاهب متقاربة وقال إنّ الضرورة قاضية بأن يؤخذ في الأحكام ببعض أقوال من مذهب مالك أو مذهب الشافعي تيسيرًا على النّاس ودفعًا للضرر والفساد ـ قام كثيرٌ من المتورعين يحوقلون ويندبون حظ الدين، كأنّ الطالب يطلب شيئاً ليس من الدين، مع أنّه لم يطلب إلا الدين، ولم يأت إلا بما يوافق الدين؛ وما ذلك إلا لأنّ أنصار الجمود من المسلمين قالوا: يولد مولود في بيت رجل من مذهب إمام فلا يجوز له أن ينتقل من مذهب أبيه إلى مذهب آخر، ليوقعوا الأمّة فيما وقع فيه من سبقها من الاختلاف وتفرق المذاهب والشيع في الدين، ولتكون حروب جدال بين أئمّة كلّ مذهب لو صرفت آلاتها وقواها في تبيين أصول الدين ونشر آدابه وعقائده الصحيحة بين العامّة، لكنّا اليوم في شأن غير ما نحن فيه. يجد المطلع على كتب المختلفين من مطاعن بعضهم في بعض ما لا يسمح به أصل من أصول الدين الذي ينتسبون إليه، يضلل بعضهم بعضًا، ويرمي بعضهم بعضًا بالبُعد عن الدين، وما المطعون فيه بأبعد عن الدين من الطاعن. ولكنّه الجمود، قد يؤدّي إلى الجحود.

قام محمّد عبده بكتابة وتأليف وشرح عدد من الكتب نذكر منها "رسالة التوحيد"، تحقيق وشرح "البصائر القصيرية للطوسي"، تحقيق وشرح "دلائل الإعجاز" و"أسرار البلاغة" للجرجاني، كتاب "الإسلام والنّصرانية بين العلم والمدنية" وفي هذا الكتاب قام الإ مام محمّد عبده بإجراء مقابلة بين الدينين الإسلامي والمسيحي وأثرهما في العلم والمدنية، تقرير إصلاح المحاكم الشرعية سنة 1899م.

كما قام العديد من الكتاب والصحفيين بتناول شخصية محمّد عبده وآرائه الإصلاحية من خلال كتبهم ومقالاتهم المختلفة منها: كتاب "محمّد عبده" تأليف محمود عبّاس العقاد، كتاب "رائد الفكر المصري ـ الإ مام محمّد عبده" من تأليف عثمان أمين، كتاب "الإ مام محمّد عبده في أخباره وآثاره" تأليف رحاب عكاوي، وغيرها العديد من الكتب.

علاقة الشيخ محمّد عبده بالخديوي عبّاس لم تكن على ما يرام وازدادت سوءًا على مرّ الأيّام، الأمر الذي أدّى لمحاولة النّيل من محمّد عبده بمختلف السبل الممكنة من خلال المؤامرات، ومحاولة تشويه صورته في الصحف وأمام الشعب، وأدّى هذا الأمر بالشيخ في نهاية الأمر بتقديم استقالته من الأزهر عام 1905م، وبعد ذلك اشتدّت معاناته من مرض السرطان حتى كانت الوفاة في الإسكندرية في يوليو 1905م.

المراجع :

ـ موسوعة ويكيبيديا الحرّة.

ـ إسلام أون لاين.

ـ موقع قصّة الإسلام.

ـ موسوعة الإخوان.

ـ موقع حوار.

ـ موقع محيط.

للاستزادة يرجى الاطلاع على:

ـ كتاب "محمّد عبده" تأليف محمود عبّاس العقاد.

ـ كتاب "رائد الفكر المصري ـ الإ مام محمّد عبده" من تأليف عثمان أمين.

ـ كتاب "الإ مام محمّد عبده في أخباره وآثاره" تأليف رحاب عكاوي.

إضافة تعليق


Security code
تغيير رمز الحماية

  • جميع الحقوق محفوظة لموقع سراج نت 2005-2012
  • المقالات والآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع