أدب و شعر
الحلال والحرام
أقفل عبّاد الدّكان ذلك اليوم مبكراً، وهو منكسر الحال متهالك، لا يركز على شيءٍ. ومع ذلك فقد عرّج على الشيخ أبي الخير الذي ظلّ يمثل له مطلق الخير في كلّ العلاقات به. زمجر قائلاً ـ وكأنّه يحدث أحداً ـ يا سبحان الله! حتى اسمه يحمل صفة الخير!. هل يحدّثه بما حصل؟ لكن، فضّل أن يكتم الأمر، حتى يتبيّن له ما تصير إليه الحال.وجد نفسه أمام دكان الشيخ، وقد جلس الشيخ المحجوب والمعلّم سالم على المصطبة. وقد فرغ أبو الخير من إعداد الشاي. فسلّم على الجميع، وجلس على الكرسيّ المحاذي لهما. نظر في تمعّن إلى الشيخ أبي الخير فأخذه الإعجاب الشديد به، وأحسّ بأنّه يغبطه على ما آتاه الله من وافر النعمة، بسطة الجسم، بهاء الطلعة، دوام البشاشة، حسن الخلق، غزارة المعرفة، قوة الإيمان، سعة الرزق، التأثير على الناس...
كان أبو الخير يستقبلهم بـ"صينية" الشاي بعد صلاة العصر، فيحدّثهم بحديث هادف قد يكون قصّة من قصص الأنبياء، أو موقفاً من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، أو حديثاً له مع شرحه، أو منقبة من مناقب السلف الصالح، أو حدثاً من التاريخ؛ وأحياناً مسألة فقهية تحصل منها الفائدة، قد تتعلق بشعيرة من العبادات أو قضية أو نازلة. وقد يكون ملحمة تاريخية من ملاحم العرب أو العجم. وقد حدّث عن شخصيات نموذجية من تاريخ الإسلام مثل الحسن البصري وأبي حازم الأعرج ومالك بن دينار والبهلول. وأحياناً شخصية لها صيت وأخبار مثل الحجّاج بن يوسف الثقفي وليلى الأخيلية وأبي مسلم الخراساني ورابعة العدوية. فلا ينتهي المجلس إلا بالفائدة والعبرة والدّعاء والاستغفار والتواصي بالحقّ وبالصبر. ويكون ذلك مع أذان المغرب.
لقد استمر ذلك سنين عدّة. وكان يشاركهم الحديث الشيخ فرجي رحمه الله. كان هو الآخر قوي الذاكرة، حاضر البديهة. فكأنّهم قد سُقوا ممّا آتاه الله من الحكمة. وإنّه ليذكر أول المجالس مع الشيخ فرجي، وأبو الخير يقرأ عليهم كلّ يوم باباً من أبواب "كليلة ودمنة" إلى أن قرأوا الكتاب بكامله واستوعبوا دروسه ومواعظه. ومات الشيخ فرجي وهم يقرأون كتاب التوّابين بتناوب مع تفسير القرآن العظيم.
وضع أبو الخير "الصينية" في الوسط. وتقابل مع باب الدّكان. وهم في انتظار حديث جديد، حيث الأذن لا تقنع من خبر مثلما العين لا تشبع من بصر. بادره المعلّم سالم بأن يفتتح ويقدّم حكاية من سيرة السلف الصالح. لكنّ أبا الخير حاول اختبارهم في تثبيت ما مضى من الحديث والاعتبار به.
قال أبو الخير: إنّ الحديث ينسي بعضه بعضاً. فلكي نتذكر، بماذا حدّثنا بالأمس؟ أجاب الشيخ المحجوب: تحدّثنا بالأمس عن الإمام أبي حنيفة النعمان.
استطرد عبّاد، لكي يثبت أنّه هو الآخر لم ينس: نعم أنا أذكركم: لقد كان الإمام أبو حنيفة تاجراً ورعاً، بحيث أنّ له كرامات في ذلك: ذات يوم ترك غلاماً له بالحانوت، وذهب لصلاة العصر. فلمّا عاد قال له الغلام: لقد بعت الثوب الذي عزلته من بين الأثواب قبل أن تذهب للصلاة. فقال أبو حنيفة: أسرع يا غلام والحقْ بالرجل الذي ابتاع الثوب وادعه إليّ. فأطلق الغلام ساقيْه للريح ثمّ عاد ومعه الرجل. فأخبره أبو حنيفة بأنّ في الثوب عيباً لا يعرفه الغلام، وترك له الخيار في شرائه أو تركه. فقال الرجل: إنّي أقبل شراء الثوب منك على ما فيه من عيب. ويبقى عليّ أن أدفع لك الثمن، وان أقدّم بين يديك توبتي. فقد أعطيت الغلام نقوداً زائفة!.
أردف الشيخ المحجوب: رحم الله الإمام أبا حنيفة، لقد أكرمه الله في الدنيا بالمهابة والاحترام وحسن الصيت، وأكرمه في الآخرة بهذه الأمّة التي تترحّم عليه يوماً عن يوم. وبالثواب على ما ترك من فقه وفتوى وقدوة حسنة.
قال المعلم سالم: هذا عن النعمان بن ثابت. فما معك اليوم يا أبا الخير؟
قال أبو الخير: إنّا لنعجب لسلوك الناس مع هذه الدنيا ومن حالها معهم. ولو انكشف لنا الغيب عن لحظة واحدة من الآخرة لكان لسلوكنا شأن آخر. فسبحان الحكيم. يقول الإمام علي كرم الله وجهه: "العبر كثيرة والاعتبار قليل". ما أكثر ما سمعنا ورأينا وشهدنا من اختبارات ودروس وعظات. فالشقيّ من عرف ولم يتعظ والأشقى منه من لم يعرف أصلاً. وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: لا أبقاني الله لمعضلة لا أجد فيها أبا الحسن. فما أكثر معضلاتنا وأشدّها، ولا أبا الحسن لها. وما دام ذكر أبي تراب هو الذي يحضرنا أكثر في هذه الساعة، فإنّي أسوق لكم حكاية عنه لعلنا نستفيد منها في الدنيا وفي الآخرة.
توقف أبو الخير عن الكلام ريثما يأخذ كلّ واحدٍ وضعاً جديداً. صبّ الشاي وفرّق الكؤوس. وانتظر كي يعود إليه الانتباه من جديد، ثمّ استأنف:
أوقف الإمام علي بغلته بباب المسجد وانتظر لكي يرى أحداً يحرس له البغلة ليدخل إلى المسجد، فإذا رجلٌ قادم. طلب منه الإمام ذلك. ثمّ دخل فصلّى وخرج. وتناول ثلاثة دراهم ليناوله إيّاها. فإذا البغلة واقفة والرجل غير موجود. ولمّا همّ الإمام بأخذها إذا اللجام غير موجود. ذكر الله ثمّ فتش عن مولاه فناوله الدارهم الثلاثة وطلب منه أن يذهب إلى السوق فيشتري لجاماً للبغلة. ذهب الغلام إلى السوق فاشترى لجاماً ساوم صاحبه على ثلاثة دراهم. ولمّا عاد به إلى الإمام وجده نفس اللجام. فتبيّن له أنّ الرجل سرقه بالفعل وذهب إلى السوق ليبيعه. قال الإمام علي عنذئذٍ: سبحان الله! يكتب الله الرزق لعبده في الحلال، فيأبى أن يأخذه إلا في الحرام!.
أراد ان يكافئ الرجل بثلاثة دراهم على عمله، وربّما مع الدّعاء له. وهي مكتوبة له في رزقه. فأخذ القيمة نفسها، باختياره، ولكن بوجه الحرام.
علّق كلّ من المستمعين بطريقته. أمّا عبّاد فقد أطرق مليّاً وكأنّه يذهب بفكره أو بالفكرة إلى أبعد من ذلك. لم يتكلم بشيء. ولكن ترك للآخرين المجال ليتكلموا فيعلقوا ويضيفوا ويحلّلوا، وهو محدّق إلى كلّ واحد بعينيه مُصغ بأذنيه. يعضّ لسانه وشفته من حين لآخر، ويشدّ يداً بأخرى.
اقترب أذان المغرب، هيّأ أبو الخير الماء للوضوء. ثمّ كان الأذان فانصرف الجميع إلى المسجد. ومن هناك انطلق كلّ واحدٍ إلى حال سبيله.
لزم الأرق تلك الليلة عبّاداً وهو يفكر في حاله ويقارنه بما يسمع ويرى.
لقد أجمل ما هو فيه من حال في قوله: اجتمعت عليّ مصيبتان: مصيبة في دنياي ومصيبة في ديني. وما أرى في كلّ منهما إلا الخسران المبين: أمّا مصيبة الدّنيا فهو هذا النّصّاب الذي أخذ منّي 100ألف درهم كبضاعة بصكوك عديمة الرّصيد. ولم أعثر له على أثر. فإذا آخرون يبحثون عنه. وأمّا مصيبة الدّين فهو التعامل بالغشّ فيما أبيع من أثواب تحمل علامات مزوّرة.
تأوّه بنفس طويل وهو يتحوّل إلى جنبه الآخر ويقول: أين أنا من أبي حنيفة أو من علي بن أبي طالب، وممّن سمعت عنهم من الأتقياء والمؤمنين؟! وأين أنا من أبي الخير وممّن أعرفهم من الناس؟؟ بل أين أنا من عامّة الناس؟!.
هذا صديقي أبو الخير ـ وأستحيي أن أكون صديقاً له ـ لا يبذل مجهوداً مثلي. ومع ذلك فهو سعيد بدينه ودنياه. كلّ خير تجده عنده: الأخلاق، العلم، الجود، الإحسان، النّصيحة... وإنّما هي النّية الحسنة والحلال والدّعاء: دعاؤه لنفسه ودعاء الناس له. والذكر والشكر والبركة والعافية. أجل كلّ هذا وغير هذا جعله كذلك. يا ليتني كنت مثله! اللهمّ إن أحييتني إلى الغد فارزقني توبة نصوحاً.
لم يتمّ ليلته تلك. فقام وتوضأ وصلّى ركعتين، وبكى على حاله وخطيئته، ودعا دعاءً طويلاً. فإذا الأذان أذان الفجر. توجه إلى المسجد وصلّى الفريضة ثمّ عاد إلى البيت فأخذ المصحف وقرأ حزبين. واتخذ قراره بالتغيّر في الحياة إلى الخير والحلال ما أمكن. سيمتصّ ضربة الصكّ المزوّر، ويدعو ربّه بأن يجعلها كفّارة لما كان من الذنب. وسيتخلّص من السلعة المغشوشة، ويتصدّق بكلّ ما اكتسبه من التجارة السابقة من لباس أو أثاث أو آنية. صارح بكلّ ذلك زوجته فقط، وكتم سرّه عن الباقين.
توجه إلى السوق فابتاع ثياباً جديدة له وللزوجة والأولاد واستحمّ وتعطّر. وبعد صلاة العصر توجّه إلى دكان الشيخ أبي الخير حيث طلب منه أولاً أن يقرأ لهم ما تيسّر من سورة الزمر. ثمّ طلب منه أن يعيد عليهم قصّة آدم أبي البشر مع خالقه، ومع إبليس، ومع الخطيئة الأولى. ثمّ مع التوبة.
لاحظ عليه الشيخ أبو الخير ومعه الآخرون تغيّراً بيّناً في شكله وحديثه وسمته. تعفّف أن يلحّ عليه في السؤال. لكنّه كان يبتسم له ابتسامات تنوب عن ذلك. فساءله عبّاد قائلا: اتذكر يا أخي قول شاعرنا مالك بن الريب المازني:
ألم ترني بِعتُ الضلالة بالهدى
وأصبحت في جيش ابن عفّان غازياً
قال أبو الخير: أجل، وأذكر أيضاً قول سحيم بن وثيل عبد بني الحسحاس الرياحي:
عميرة ودّع إن تجهّزت غازياً
كفى الشيبُ والإسلامُ للمرء ناهياً
بعدها أذّن المؤذن: الله أكبر. فسلّم عبّاد مودّعاً وانصرف إلى المسجد وهو يردّد قوله سبحانه وتعالى:
{ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحقّ* ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهمُ الأمد فقستْ قلوبهم وكثيرٌ منهم فاسقون}.