أدب و شعر
"متى نستقبل وطننا المنفي" خواطر من مخاضات الحراك الشعبي
قلم: د.أحمد بوعشرين الأنصاري
قرأت يوما عن الوطن وعن الحرية وعن الكرامة وعن العدالة الاجتماعية، فأحببت هذه الكلمات الجميلة. جميع شروحاتها كانت جدابة ومغرية ويوضع لها القبول في الأرض، تشربت معانيها فضخت في دمائي طاقة هائلة تجعل عروقي تنبض شوقا وشغفا بها،
حاولت مرارا أن أعيشها قيما في الحياة، ومصباحا منيرا في طريق الكفاح اليومية، فاعترضتني الأشواك: وطن مستباح، وحرية منقوصة، وكرامة مهدورة، وعدالة اجتماعية مغيبة، سألت عن السبيل الموصل إلى معايشة هذه القيم الجميلة، كانت كل قيمة تفتحنى على قيمة أجمل، وكأني أدخل حديقة تفوح رائحتها الطيبة من الباب وكلما زدت خطوة إلى داخلها شوقا إلى استنشاق المزيد من عطر هذه الرائحة إلا وانفتحت عيناي على أزهار وأزهار، إنها فيحاء الحرية التي في حلمي وأنا في مكافحة يومية للأشواك التي تعترضني للوصول إلى حديقتي الغناء.
هذه مقدمة بلد ضائع في وطنه، ومواطن مسلوب في حريته، وشعب مدسوس في كرامته، وطني علمني أن أعشقه برغم غيابه في، علمني أن أنطق بكلمات تحييه وأن أقوم بأفعال تنهض به وأن أستنهض إرادات تطرد الأمل في عودته لي ولأمثالي وللشعب الذي له الحق فيه وللوطن الذي له الحق فيه أيضا.
حينما هبت رياح التغيير مؤذنة بعودة الوطن لأهله، شمر الحالمون طويلا بلقاء وطنهم على سواعدهم للقاء الوطن المسلوب والمنفي في أرضهم، كانت هذه الرياح ترسل لواقحها عبر أثير هواء الحرية، فتنبت في كل مكان هبت فيه أزهارا وأزهارا ثم حدائق وحدائق، ثم وطن مسترجع فعيش آدمي كريم وحرية ينعم بها كل من عانق هذا الوطن أو فتح له الحصون المقفلة مؤذنا بفتح عظيم يكون فيه الوطن فاتحا ومفتوحا على السواء.
تلك اللواقح المرسلة ضخت الآمال في استعادة المفقود والمنفي والمستلب والمظلوم والمهان والمستعبد لتكون خطوطهم تلتقي في نقطة مشتركة هي الحرية. كانت الذوات تتلاحم وتتهيأ وتحشد جهدها الكامل لاستقبال الوطن في وطنه ولاستقبال ضحايا نفي وطنهم في وطنهم الحر والأبي، لم تكن الذات تتهيأ لاستقبال وطنها استقبال المحرر بل استقبال المفتوح لفاتحه، فالوطن هنا هو الفاتح وهو المفتوح والذات هاهنا وسيلة للعناق الحار ولتهيئة ظروف وحفل الاستقبال اللائق بالوطن المنفي والغائب الغيبة الكبرى، ذلك جدول أعمال الذات في التحضير لهذه الملحمة الكبرى، والتحضير يلزمه كد واجتهاد وبحث وابداع ونضال مستميت كي يأتي الوطن وينعم بوطنه حرا أبيا، وهذا معناه أن تتحلى هذه الذات بأسمى معاني التطوعية، وأن ينصهر أداؤها التطوعي في حرارة اللقاء وشوق الاستقبال لهذا الوطن الذي ننتظر قدومه بشغف وحب لا نظير له، وأن تكون خادمة لما تمليه حرارة الاستقبال وإعداداته وتحضيراته بكل ما يتطلب الأمر من تؤدة ونكران للذات بل وإفناؤها لأجل أن يحيي الوطن من جديد.
عفوا أبحرت في عالم مجرد لكنه محسوس من حيث معانيه ومفردات تعبيراته، لننزل شيئا ما من هذا العالم المجرد والجميل.
ثمة إشكالية واضحة في العمل التطوعي عموما وفي العمل السياسي خاصة، وهي محاولة إيجاد توليفة مثلى بين الذات والموضوع، فالذات التنظيمية لها مطامح مشروعة لكن لا ينبغي أن تكون على حساب الموضوع لأن مبرر وجود الذات التنظيمية التطوعية هو الموضوع، المشكل هو حينما تكون الذات مستعلية على الموضوع وموظفة له من أجل الذات هنا يكون الانحراف في السلوك التطوعي عموما والسياسي خصوصا، لأن الذات وجدت لخدمة الموضوع، لا ليكون الموضوع خادما لها.
ليعبر كل فصيل عن موقفه شريطة أن لا يعرقل سير الحراك الشعبي، إن لم تستطع عوائقنا الابستمولوجية والنفسية أن تقيم تحالفا سياسيا مع بعضنا البعض فليكن التحالف فوق أرض الميدان، ولنترك الكلمة في الأخير للشعب بعدما نكون قد أقمنا صرح الديمقراطية، إن بناء مواقف فعلية وعملية بناء على مواقف الآخر القولية والبيانية أمر فيه تسرع خاصة إذا كان الموقف العملي يضر بالحراك وبمكتسبات الحراك وبموازين القوى التي بدأت ترسو على ضفة الحراك ولصالحه...حينما يختلط تصنيف التناقضات الرئيسة والثانوية، وحين يصبح التناقض الثانوي رئيسي، أو حينما نستدعي تناقضاتنا الثانوية ونضخم منها وننفخ فيها لكي ننقلها قسرا إلى مرتبة التناقض الرئيسي فلنقرأ على حراكنا الشعبي السلام لا قدر الله... الحذر كل الحذر من هذه القراءات التي تعلي من مرتبة تناقض ثانوي معين لتجعله رئيسي تعسفا وقسرا والخطاب موجه إلى كل الأطراف المدعمة للحراك بدون استثناء...
إن زخم الحراك ومطالب الحراك ورحيل المخزن بحاجة إلى ذوات تفنى ليحيى الوطن وأقصد بالذوات ليس فقط الذوات البيولجية بل الذوات التنظيمية أساسا، نحن في لحظة مفصلية في تاريخ التحولات وهذه اللحظة المفصلية ليست بحاجة إلى ذوات تسهم في التغيير بل في ذوات تفنى لكي ينجح التغيير هذا هو الإشكال هذا هو الإشكال هذا هو الإشكال رسالة إلى كل من يهمه الأمر...