أدب و شعر
خـَــاطــــرة
ذ. عادل الزرود
سبحان الله، ما أحلى إقبال الله على عبده الضعيف، لا أجمل ولا أعزّ من إقبال المولى على مخلوقه، يُدفئه بظلّ ولايته ويحفظه بكنف عنايته، ويُرشده بنور هدايته.
إنّ للمولى مواسم، فيها يستدعي أوبة الأوابين. أشواط أصلية ممتدّة إلى ساعة الحقّ، وأخرى إضافية تتركّز فيها الرحمة السرمدية، تنادي العبد بلسان الودّ: أن أقبل أيّها الغافل التائه، أيّها اللاهي عن وجه الحقيقة، أيّها المصعّرخدّه للنسائم الفردوسية:
ما أغفلك، ما أركسك، ما أقسى قلبك، ما أبلد حسّك، ما أجمد عقلك، أيّها العبد الجافي ..
تأمّل معي .. ألا ترى هذا الربيع؟ إنّه موسم لتحلي الوحدانية، أنظر إلى الفرحة تتلألأ في عيونه، ورود تجود بعطورها الزكيّة، أزهارٌ تزهو بألوانها البهيّة، تتعالى بأعناقها النديّة، كأنّي بها تطلّ عليك متزاحمة متنافسة كيما تكتشف فيها بعضاً من تجليات يد الإبداع السبحانية، ألا تسمع أزيز تسبيحها؟ ألا ترى انسيابها متأرجحة بين مقام المحبّة ومنزل الخشية؟.
وهذه الأطيار وقد جدّدت ألوان ريشها. أنظر إليها تشاكس بعضها، كأنّي بها ثلّة من أطفال الحيّ صبيحة العيد وهم يتراشقون بلعبهم الجديدة، أو يتنافسون بجمال أزيائهم دون أن يطغى بعضهم على بعض، غير أنّها فرحة العيد البريئة ...
إنّي أكاد أنصت إلى دقات قلوبها الصغيرة المسرورة، وهي ترتعش محبورة، فهو موسم لخطبتها وزواجها وحبّها، فسبحان من قيّض بعضها لبعض وسخّر بعضها لبعض إنّه بعض تجلّي الرحمة الأبدية ..
وأنت ... نعم أنت أيّها المحملق دون اعتبار؛ فيم الانتظار؟ أليس لك ربيع؟ أليس لك مواسم؟ إكشف عنك حجاب الغيّ، أزل عن روحك الستار، دعها تظهر على أصلها كما خلقت، شفّافة، منسابة في جداول العبودية، لا تحبسها عن طريقها الذي له برئت، لمادا تحتجز روحك في قبوك المظلم؟ لقد باتت كماء زلال كان عذب المذاق، منطلقاً بحريّة، ثمّ أضحى محصوراً في قنينة صدرك المكتئب ...
ما أتعسني إن لم أقلها، ما أشقاك إن لم تسمعها: لا تتكلّف، لا تتصنّع، دع براءتك تتجلّى بعين الإرادة .. كم أخشى على وجدانك أن يجفّ .. إن شئت فاستأثر بكلّ محاريب الاستخارة، احتكر كلّ دوائر الاستشارة، فذا الروح أن تسعد بك وهي ترسو في أحلى مراسيها، ولكي تستجيب لما يغنيها و يرضيها ..
ما أغناني وأغناك بالله إن أطعته.
ما أعزّني وأعزّك بالله إن تذلّلت له وعظّمته.
حتى إذا ما كان الردى منّا ونحن منه ..
حتى إذا ما اخترقنا جداره الشوكي ..
حتى إذا ما مزق ستار الروح ..
وجدنا ما يشفي غليل الطاعة في القلب العاصي .. وألفينا ما يطفيء حرقة الزهد في كنه الإحساس.