الأحد 20 مايو 2012
ثقافة وأدب أدب و شعر ذات الحدين

ذات الحدين

أقبلت عليها سبعينيات القرن العشرين وهي على هذه الحال، باهية لاهية، ترفل في أغراس كأنّها حلي الدّمقس والزبرجد، ناعسة عمّا في العالم من تطوّر التقنيات والعمران. ثمّ لا تكاد تخرج من باب من أبوابها التاريخية حتى تطالعك مظاهر البداوة من حرث أو سقي بأساليب تقليدية واستعمال للحيوانات والعربات. هذه المظاهر وغيرها أعطت للمدينة أجواء الشاعرية والعواطف والوجدان. أمّا على جنبات السور العتيق فتنتشر ميادين لكرة القدم، وحلقات للمتقاعدين أو الشيوخ أو العاطلين أو المروّحين عن أنفسهم، منهم من يلعب الورق أو الشطرنج، أو النّرد، أو يناقش مواضيع الفنّ أو السياسة أو التاريخ أو أخبار النّاس.
وفي ساحات أخرى تجد تجمّعات لأصحاب الحكي والتنشيط والفنون الشعبية وغيرها من وسائل تحصيل الرزق أو تمرير الوقت الذي يجد فيه البعض وفرة إلى درجة المعاناة.
وفي الحدائق العمومية يتناثر النّاس بين أسر تتنزّه ومجموعات تترفّه وثنائيات تتناجى، وأشخاص فرادى، منهم من يقرأ كتاباً أو يتصفّح جريدة، ومن يتفرّج على ما حوله، ومن هو مطرق على مصطبة في تخمين عميق كأنّما يدعو حاله إلى الإشفاق.
إعدادية يوسف بن تاشفين مدرسة بنيت في طرف حيّ سيدي يوسف بن عليّ المتاخم لسور المدينة الحمراء، تحيط بها البساتين والسواقي والأراضي الفلاحية. المؤسّسة شاسعة بها إدارة وأقسام وبنايات لاستيعاب التلاميذ الوافدين من بعيد وميدان واسع لمختلف الرياضات. ثمّ مرافق وأحواض وساحات.
غير بعيد تتراءى البوادي والقرى التي تحول بينها وبين جبال الأطلس المشرفة على المدينة الهادئة.
يدرس في المؤسّسة عددٌ كبيرٌ من الأجانب معظمهم من فرنسا، وآخرون من بلجيكا والهند، ويهودٌ أيضًا. أمّا التلاميذ فهم أبناء الفئات الشعبية المتوسطة والفقيرة يجمعون في عمومهم بين طابع الجدّية والاجتهاد والمرح واللهو.
في الرّواق الخاصّ بالتلاميذ الدّاخليين هناك فتيان وفتيات وافدون من ضواحي المدينة ومن مدن أخرى.
الفتاة بشرى حسناء من بني ملال تميّزت عن أترابها بمعالم من الجمال الأخّاذ وكأنّها قد استحوذت على فنون البهاء فلم تذر لغيرها سوى الثمالة. كأنّها قد قدّت من مناجمه، بل كأنّ الجمال قد قدّ منها.
هذا بلغة الفنّانين. أمّا بلغة الفيزيائيين، فإنّها قد تميّزت بموجات خاصّة تحدث رنيناً قصوياً عند نظام الاستقبال لأيّ بشر. وبلغة الطبيعيين فإنّ أعضاءها قد ركبت تركيباً متناسقاً تفسّره قوانين علم الوراثة الذي تحوي أسراره صبغيات الجسد. وبلغة المهندسين فكأنّها قد خطّت بالمسطرة المدرّجة والبركار. وبلغة المزارعين فهي وردة أصابها رذاذ كانون اللطيف، وأيقظتها أشعّة شباط العسجدية، وأنعشها نسيم آذار العليل. فتفتّحت وأينعت لتستقبل نيسان. وبلغة السحرة فهي حورية صمتها جليل الكلام، وسمتها جميل القوام، حربائية التشكّل، تخرج على النّاس كلّ يوم في هيئة تنسي شكل أمسها. وتقرأ بلغات للفنّانين والشعراء وغيرهم.
لقد عذبت وأتعبت الرجال والنّساء. في ذلك الزمن الشاهد لم تكن تجاوز عامها الثالث عشر. ولكنّ بهاءها المشعّ واهتمام النّاس بها فجّرا غرورها فجعلها تبدو ابنة العشرين، فتسلّطت على عواطف أترابها وصيّرتهم شبّاناً بالغين.
إلى جانب هذا الجمال الحسيّ فقد أوتيت لباقة في الحديث وذكاء في الانفعالات ومهارة في السلوك. كلّ ذلك جعل منها نورًا ونارًا مثل مشكاة تتهافت حولها الفراشات واليراعات التائهة.
لقد كان لهذه الفتنة التي خلقت من حولها ضحايا أحداث وأحاديث. أحداث لمّا يعرفوا ما المرأة ولا العشق والفتون ولا مصارع العشّاق. فيهم الشريد والضليل والغرّ. فلم يعد أمر حليمة بسرّ كما يقول المثل. بل منهم الصريع على نمط من ذكرهم التاريخ أو المسرحيات والملاحم والروايات.
مسكين ذلك الفتى اليافع الذي شاءت له الأقدار أن يراها ويستمع إليها. لقد شغف بها شغفاً فهوى في يمّ عشقها. واشتدّ به الغمّ والهمّ. ثمّ انقطع عن الدراسة. واشتدّ عليه الأرق والعزوف عن الأكل والشرب. ثمّ اعتلّ وقاطع النّاس. ومازالت به العلّة حتى أتت عليه. فغادر هذه الدّنيا وهو في كآبة منها.
علم أهله بأمره بشأنها فأتوها إلى المدرسة وصبّوا عليها جامّ غضبهم. فلم تكن لأحدٍ حيلة ولا وسيلة. ولم تدر هي الأخرى ما صنعت ولا ما تصنع.
بعدها أصبحت العيون تمتدّ إليها ما بين ناقدٍ وحاسد وحاقد.
رشيد ونجيب، اثنان من أسراها. كبلتهما تكبيلاً وألهبتهما بالسياط، فعانيا منها الأمرّين. لقد سعدا وشقيا بعشقها. استنارا بنورها واكتويا بنارها.
يافعان يانعان من ذلك العهد الساذج، من أترابها. أصابتهما طلقات عيارها فغادرتهما ولم تعقّب، وتركتهما جريحين بين الركام جاثيين بين الزحام.
لقد قاما من بين الأنقاض مثخنين بالجراح سقيمين عليلين يبحثان عن الشفاء. إنّهما اثنان من العائدين من الأسر، بل من الهلاك يحكيان قصتهما مع العشق ويحكي الدّهر معهما هذه القصة.
لم يكن رشيد يتجاوزها سنّاً إلا بثلاث سنوات. لقد رآها أوّل مرّة وهي تلعب الكرة الطائرة، فخفق القلب خفقاناً لم يخفقه من قبل. فتح على مصراعيه وقال: يا مرحى! تلك هي البداية، أمّا النهاية فقد كان لها موعد غير محدّد. رآها مرّة أخرى، وأخرى .. فكانت تزداد تمكّناً من قلبه وتعزّز مواقعها. رآها مرّة مع صديق له في حديث وهما اثنان فقط فامتعض وفار غيظه، فكظمه وأعرض. وحاول مِرارًا أن يكلمها ولكنّه لم يستطع إلى ذلك سبيلاً. وقد جمعهما يوماً فصلٌ واحد فانشرح وترنّح وحاول عبثاً أن يكلمها ولو بكلمة، ولكنّه لم يفلح. حاول ثمّ حاول مِرارًا، وفي النهاية استطاع أن يكلمها: رجاها أن تنبّه زميلتها إليه، كأنّه يلتمس شيئاً عندها، لا عندها هي. ففعلت وأحسّ بانهزام ذريع، ولكن في الحين ذاته أحسّ بانتصار قد يسلّي عن ذلك الانهزام القاهر.
لم يستطع أن يكلّمها هي بذاتها؛ ولكنّه كلّمها على كلّ حال. يا للعشق وأفاعيله!
كان يتعقبها في الطرقات، ويراها من حيث لا تراه. يحاول كلّ يوم أن يكسر الحاجز ويكلمها، فيجمع قواه وأنفاسه. ولكن كلّ شيء يفشل، فيعود أدراجه.
مرّت الأيّام والشهور، ثمّ السنين. وكانت كلّ الخطط تبوء بالفشل. ثمّ انتقلت إلى مدرسة أخرى، وانتقل هو الآخر إلى مدرسة أخرى. ولكنّه استمرّ على الودّ والعهد مع نفسه، وعلى الكفاح المرير عسى أن يحظى منها يوماً بلقاء خاصّ.
سنح له الزمن يومًا بذلك اللقاء. استجمع كلّ قواه وأنفاسه. وكلّمها. لم تعرض عنه، بل كلّمته كلاماً لطيفاً، انساب كالنّدى على أزاهير حبّها في قلبه، فازدادت تفتّحاً وتفنّناً.
طرب غاية الطرب، بالرغم من كونها لم تكن سوى كلمات معدودات لم ينس كلمة منها واحدة. ولكنّها كلمات دونها الموشّحات والمذهبات.
علّق رشيد همّته بالثريا من أجل نيل بشرى. فقرّر أن يجدّ ويجتهد فيكون ناجحاً في الحياة من أجل الحصول على هدفه الأسمى. كان يخشى أن يلاقيها أحد من الأعيان أو الشبّان المترفين فيختطفها من بين ناظريه.
عقد العزم على نيل المعالي قبل نيل بشرى. ولا سبيل إلا الاجتهاد الدراسي. سافر إلى فرنسا من أجل إتمام الدراسة. حلّ بمرسيليا ومعه عنوانها بمراكش وطيفها لا يبرحه.
ما لبث أيّامًا هناك حتى بادر إلى كتابة رسالة إليها. فلمّا طال عليه انتظار الردّ، وقد خشي أن لا تصل، أو لا تفي بالغرض. فبادر إلى تعزيزها بأخرى. وفي يوم من أيّام السعد عنده، وهو يقلّب صندوق الرسائل في كلّ حين وجد رسالة منها. لقد ردّت عليه بخطاب لطيف عدّه وثيقة تاريخية ووسام استحقاق. فقرأها مرارًا ثمّ حافظ عليها حِفاظاً.
لكنّ الهيام اشتدّ عليه هناك أكثر ممّا صنع به هنا، حين كان قريباً منها. وكذلك يفعل البيْن حينما يصير زماناً ومكاناً وتجاهلاً. لقد سهد وجهد. التمس كلّ ما يمكن أن يسلّي عنه ويدفع عنه أطياف اللوعة والوحشة والغربة والوحدة .. تسلّى في بعض عرصات مرسيليا وفي أماكن الترفيه والفرجة، سافر أيضًا إلى مناطق أخرى؛ لم يجد من يشاركه الأمر تشابهاً أو تفاعلاً أو تداولاً؛ طاف بين نوادي الجامعة ومكتباتها وانشغالاتها؛ إلا أنّه كان يطالع الكتب والمجلاّت. ولكنّ الضوائق كانت تحاصره. وكأنّه الاكتئاب.
تغيّرت نظرته إلى الحياة، أصبح يرى النّاس والأشياء على غير ما يراها من حوله. لقد بدت له كثيرٌ من الأهداف والغايات ليست سوى تفاهات سخيفة زائلة. وكأنّه قد استيقظ من منام أو نشط من عقال.
أيقن رشيد أنّ طريق الله هو الطريق المستقيم وأنّ سبيله هو السبيل القويم. لقد أضاء له من ربّه قبس من نور أخذ به إلى إدراك جوهر الحياة والوجود. فإذا به يسير على هدى من ربّه.
عاد من فرنسا على غير الحال التي ذهب بها. عاد من هناك يؤدّي الصلاة ويرتّل القرآن ويحدّث بالسنّة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. لقد ذهب بالأمس والغرب أمامه، أمّا الآن فإنه يعود والغرب وراءه.
فلم ينس التي كانت سبباً في ذلك، أو أحد أهمّ دوافعه. فقد كان يرى جميلها دوماً، وأنّ ردّ هذا الجميل هو أن يهديها الله إلى الاستقامة بسببه.
بحث عنها وقصّ أثرها. لكنّ أخبارها انقطعت، فاستحالت إلى أسطورة خالدة.
أمّا نجيب فقد كان يسمع ويرى حديث النّاس عنها وتعلّق الكثير بها. فكان ينتابه الخجل الشديد تجاهها. كان يحسّ من جوارحه نبضاً وحماساً كلما رآها أو استمع إلى حديث النّاس عنها. كان سعيد الحظّ إذ جمعته بها نفس المدرسة، وأسعد حظاً إذ جمعته بها نفس الداخلية أيضًا. لم يعرف العشق من قبل، ولم يعترف لنفسه أو لأحد بأنّه يعشقها. وإنّما كان يعتقد بأنّه معجب بها مثل الآخرين، وربّما أكثر منهم. إنمّا كانت تحيّره تلك النّشوة وذلك القلق، اللذان ينتابانه كلما مرّ طيفها أمام مخيّلته. هذا الطيف الذي ما انفكّ يراوحه فلا يبارحه. لقد تغيّر مزاجه فأصبح يستثقل الليل في انتظار الصباح، ويستثقل نهاية الأسبوع لتأتي بداية الآخر، ويستثقل العطلة لتحلّ أيّام الدراسة. لقد أصبحت بشرى خمرته المحلّلة ونغمته المفضّلة ونجمته المبجّلة. لا يسمع لها ذكرًا أو يرى لها أثرًا إلا اهتزت جوارحه وتسارعت دقّات قلبه. فيحسّ حينها بضعف لم يعش مثله أبداً. ومع ذلك فقد سنحت له الظروف أن يكلمها مع ثلّة من الأصدقاء. وقد حدث هذا غير ما مرّة. وأصبحت تمرّ من أمامه فتحيّيه بابتسامة لطيفة خفيفة، لا يساويها عنده ما على الأرض من متاع.
ولكنّ دوام الحال من المُحال، فقد انتقل إلى سلك الثانوي، وغادر تلك المدرسة التي ترك فيها أعزّ ذكرى وأغرّ بشرى. كيف السبيل يا ترى إلى مقابلتها!؟ هل يعقل أن يفضي إليها بما يجد!؟ هيهات، أين فصاحة اللسان، وأين دقّة البيان!؟ هذا أمرٌ دونه خرق القتاد. إنّ الفرق بينه وبين أولئك القراصنة المتهافتين حولها جدّ شاسع. ومع كلّ ذلك فقد ذهب إلى مدرسة يوسف بن تاشفين. ولمّا لم يصادفها فقد عاود الكرّة مرّة ثمّ مرّات. ولمّا لم يعثر لها على أثر فقد حاول أن يستقصي أخبارها بكلّ ما أوتي من وسائل. فأنبئ بأنّها غادرت إلى مدرسة أخرى. ليس بمراكش ولكن ببني ملال.
تصدّع فكره وخابت آماله وانقطع رجاؤه. فغشيه البأس والبؤس. ثمّ أصبح يتّصف باللامبالاة، فطفق يبحث عن بديل يسلّي بعد اليأس من الترياق. آثر أن يعالج الدّاء بالدّاء، بعد أن عدم الدواء.
اختار لنفسه المنفى بعيدًا عن مراكش. وهناك في آسفي وفي الصويرة راح يجاري الأهواء، محاولاً أن يدفن ذكراه.
لقد ضاع كلّ شيء يوم أن ضاعت بشرى ثمّ راح بها، ليخلف الوجد والهول والأشجان .. ضاقت مراكش بما فيها بنجيب، وضاق به المغرب كله. اتصل بسفارة بولندا من أجل السفر إليها لمتابعة الدراسة، وتغيير الأحوال. لكنّ الظروف حالت دون ذلك. فتابع دراسته بكلية العلوم بمراكش.
أمّا رشيد فقد مضت عليه ثلاث سنوات ليعود من فرنسا ويلتحق بكلية العلوم بمراكش. وكان أمله كبيرًا أن يجدها هناك.
وفي الكلية التقى رشيد ونجيب، وكان كلّ منهما يعرف الآخر. لكنّ أحدًا منهما لا يعرف أنّ هناك قاسماً مشتركاً، أو جامعاً مشتركاً، يربط بينهما.
هذا ما كان من أمر رشيد ونجيب. أمّا هي، فلم تستطع قمم الأطلس أو جبال الريف، ولا أمواج البحر الأبيض المتوسط، ولا مرتفعات البرانس أن تصدّ غرورها. فقد سافرت إلى فرنسا حيث تابعت دراستها هناك في مدينة "نانسي".
كانت بشرى الحالمة على موعد مع الزمن الذي يدور دورة النّاعورة، فإمّا إلى أعلى وإمّا إلى أسفل وإمّا بينهما. هنالك في نانسي تحطّم ذلك الغرور. وقعت الصدمات على واجهات متعدّدة. من هناك بدأ العدّ العكسي نحو الإحباط التامّ. رسبت في الامتحان، ولم تكن لترسب في امتحان قبل. ثمّ توالت الرّسوبات، غيّرت الشعبة، ولكن دون جدوى.
تقهقرت النفسية، وبعد أن فشلت في كلّ اتجاه يمّمت وجهها إلى شطر المغرب. عادت إلى أسرتها ببني ملال، ثم انتقلت إلى مراكش لتبدأ الدراسة من جديد في كليّة العلوم بها.
هناك كان رشيد على طريق، وكان نجيب على طريق أخرى. أمّا هي فقد كانت على مفترق الطرق..

التعليقات 

 
0 #1 قصة رائعةsafinaz sofey 2011-11-23 18:55
سرد جميل ابداع رائع سلمت اناملك
اقتبس
 

إضافة تعليق


Security code
تغيير رمز الحماية

  • جميع الحقوق محفوظة لموقع سراج نت 2005-2012
  • المقالات والآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع