أدب و شعر
سمر في المخيم
دخل الفتى على أمّه المنهمكة في ترتيب شقة الاستقبال بخيمةٍ من المخيّم. كان يحمل أوراقاً إدارية، وهو يناديها في قلقٍ بأنّه متذمر من كلّ النّاس :
إ نّني لم أحسم بعد يا أمّي في ضبط كتابة إسمي إداريا. هل هو: عائذ أم عائد ؟ فإنّني أحياناً أكتبها بنقطة وأحياناً بلا نقطة. ويخلق هذا متاعب إدارية. بحيث أطالب من حين لآخر بشهادة توحيد الإسم.
إرتح يا بني أولاً، ثم نرى.
كان العرق بتصبّب منه، وقد همّت أن تقترح عليه حمّاماً. لكنّها فضلت أن يرتاح ليتغذى بعدها.
تمدد على أريكة، أصاغ السمع إلى الأناشيد الفلسطينية المنبعثة من جهاز المسجل الذي كان مشغلاً. كانت ذبذبات صوت الفنّان "أبو عرب " تملأ الفضاء بمجرد الاقتراب من الخيمة. هذه المرّة لم ينشغل الفتى بالإيقاع وتناسق الآلة الشعبية الفلسطينية مع صوت الفنان الفلسطيني الساحر المؤثر. ولكنّه صرف اهتمامه إلى الكلمات والتعبير . كانت تتكون في معظمها من أسماء المدن والبلدات الفلسطينية كنابلس وجنين وجبا ليا وقلقيلية ودير البلح ودير الأسد. وضمن أناشيد أخرى كان يسمع أسماء كمحمد جمجوم وعطا الزير وفؤاد حجازي وعزّ الدين القسّام . كما كان يسمع أعلامًا ليهود كموشي ديان وغولدا مايير وإسحاق رابين .
استرخى جيّداً وكأنّه يُلقي عن كاهله ثقل العمل والطريق وملل التفكير المستديم. لم يغف هذه المرّة ، لكنّه أطفأ الجهاز والتفت إلى أمّه سائلاً: أمّي لقد عرفت خبر القسّام، ولكنّني لم أعرف خبر محمد جمجوم وعطا الزير وفؤاد حجازي ؟
أشاحت بوجهها عن بخار القدر. ثمّ تنهدت وأجابته: إسأل عنهم خالك عندما يزورنا، وتكون مستريحًا. أمّا الآن فقم لتتغذى قبل أن يباغثك وقت العمل .
كنت أيضًا سأسألك عن حطّين وعين جالوت، عن دير ياسين وكفر قاسم، بل أسألك أكثر عن الكرمل وبيسان وصفد، عن عكا وحيفا ويافا. ثمّ عن حقيقة " تل أبيب " و " ناتانيا " وأشدود " و" هستدروت "؟؟.
إنّه زخمٌ كبيرٌ من الأعلام والأحداث: مناطق وأشخاص وملاحم. ما أكثر ما نجهل عن فلسطين يا أمّي، رغم كلّ هذا الذي نعلم عنها ؟؟
ومن أين لك بكلّ هذه الأعلام ؟ بعضها في الأهازيج الفلسطينية عند " أبي عرب " و" عبد الله حداد " و" قعبور "، وبعضها في أشعار " طوقان" و" العظم " و" مفلح "، وبعضها الآخر في روايات " جبرا إبراهيم جبرا " و"هارون هاشم رشيد "، ثمّ الكتب والمجلات والإعلام. وأحاديث الوالد والخال والعائلة وأهل المخيم.
لا عليك يا ابني. فمشكلتك الآن هي هل أنت عائد أم عائذ ؟
أجل يا أمّي، لأنّ هذه الوثائق هي بشأن جواز السفر. ينبغي أن تكون مضبوطة.
الله يهديك يا ابني. إنّني غير مرتاحة لسفرك هذا.
إنّه سفر إلى قبرص فحسب. هي غير بعيدة. وكأنّها جزء من لبنان.
صحيحٌ ما تقول. ولكن بقاءك معي، وإلى جانبي أفضل وأريح لي.
ساعديني يا أمّاه ودعي عنك أفكار العاطفة. إنّ الواقع شيء آخر.
أمّاه. لقد استشهد أبي في شاتيلا، ومعه عديد من الأحباب والأحبّة. فهل ننتظر يوماً إلاّ مثل ذلك؟ لعلّ بُعدي عنك أسلم من قربي.
آهٍ، ما أكثر فجائعي يا بني .لقد كانت مذبحة شاتيلا قدرًا من أقدار الخالق .
أمّي العزيزة: لم نشهد في لبنان مجزرة شاتيلا وحدها. ولكنّنا شهدنا مذابح صبرا وقانا، وحصار تلّ الزعتر وجسر الباشا، وأهوال ميا الميا والبداوي ومآسي برج البراجنة والراشدية ... واللائحة طويلة. إنّها عذابات كالليل الذي ليس له نهار. ثمّ أي أمل بعدها؟: الأكل في المخيّم، والنوم في المخيّم، والعرس في المخيّم، والعطلة في المخيّم .. وكلّ شيءٍ في المخيّم.
بعد الغذاء عاد إلى عمله بورشة رياض طربيه. وقد كان على موعد في المساء مع أصدقائه ناصر عدوان الخليلي وزهير فتحي النابلسي وعبد القادر وليد الحسيني، بخيمة عزّ الدين النّجار المعروف بأبي إياد. والذي توجد زوجته منذ مدّة في المستشفى بالمدينة بسبب مرضها المضني.
كان أبو إياد أكبرهم سنّاً. وكانوا يرتاحون لأحاديثه. خصوصًا ما يرويه لهم من أخبار فلسطين والصهاينة وتحولات المقاومة الفلسطينية بجنوب لبنان وداخل الأرض المحتلة وفي مناطق أخرى. عن أفاعيل الصهاينة. وكذا ما يرويه من ذكريات له بمدينة رام الله وهموم الضفة الغربية، ومن ذكريات أبعد عن حيفا المدينة الأصلية قبل أن ترحل العائلة بعد سنة 1948م إلى الضفة وتستقر برام الله إلى حين. أمّا رام الله فيعرفون عنها الكثير مثل القدس والخليل وجنين وطولكرم. ولكنّهم لا يعرفون إلاّ القليل عن حيفا وعكا ويافا وصفد. لقد حدّثهم تلك الليلة عن تلّ الربيع كجزء من يافا وضواحيها التي أصبحت تدعى " تل أبيب " بعد هدم معالم عديدة بيافا. عن تهويد عدّة مناطق حيث أصبحت تحمل أسماء يهودية مثل هستدروت ونتانيا وأشدود وهرتزليا. لم يأخذهم الحنين تلك الليلة إلى مناطق الضفة والقطاع مثلما أخذهم إلى الجليل وعمق فلسطين حيث الساحل العربي مربض أحمد الجزّار وأسامة بن منقذ. وحيث تحطم غرور نابليون بونابرت وريتشارد قلب الأسد. وحيث شهداء عكا الثلاثة جمجوم والزير وحجازي .
التقوا في الليلة الموالية عند الشيخ أبي حسّان البيساني الذي يحمل على جسده آثارًا من ضرب الجنود الصهاينة في إحدى المواجهات مع الأهالي، وأخرى من التعذيب في إحدى فترات الاعتقال. كانت هذه الآثار بالنسبة للفلسطينيين بمثابة أوسمة على الجسد يفخرون بها باعتزاز. هي أفضل عندهم من النياشين والأوسمة المعدنية. فكذلك كان المجاهدون عبر التاريخ. وهي ذكرى عن فلسطين وشهادة من العدو الذي سيبقى دوماً عدوًا. وكما يقول المثل العربي: كيف أصالحك وهذا أثر فأسك؟؟
مع أبي حسّان الذي يتمتع بذاكرة قويّة هناك مئات الذكريات الجميلة والجليلة والحزينة أيضاً: من جبل الكرمل ومن بيسان وحيفا ويافا وأم الفحم ...
حدّثهم عن المناطق والأرض والمناخ، وعن الحياة العربية بها أيّام الاحتلال الانجليزي. كان العرب يشتغلون عند اليهود أو معهم على نيات سليمة ولا يدرون أنّ هناك مخططاً بعيد المدى أمكر من الاحتلال الانجليزي .. ذكروا أنّ أزيد من مليون ونصف من الفلسطينيين ما يزال يزخر بهم العمق الفلسطيني. وأنّ أزيد من أربعة ملايين منهم يتوزعون على الضفة والقطاع والصحراء. وأنّ خمسة ملايين أخرى ويزيدون هم خارج فلسطين تضيق بهم المخيّمات أو يشتغلون بين الدول القريبة والبعيدة، ما زالوا ينتظرون العودة.
صاح الفتى يحيى النابلسي، وهو فتى في الخامسة عشرة من عمره، وكان يُنصت إليهم بتمعن، يا للهول؟ أزيد من عشرة ملايين فلسطيني؟ كلهم بذي الحال؟ وكم يا ترى عدد الصهاينة ببلادنا، يا عمّ أبو حسّان؟
اسأل أخاك يا بني لعله أضبط للرقم.
أجاب زهير: إنّهم لا يستقرون على عدد. بحكم الهجرات المكثفة. فأحياناً يزيدون، وأحياناً ينقصون. أردف غسّان الذي كان يجلس جانبه: هم الآن يراوحون الخمسة ملايين بعد الضخ البشري الروسي لمتهودة الخزر.
يا عجباً يا أخي ونحن نضاعفهم ؟؟
أضاف غسّان: ستعجب يا عزيزي أكثر إذا علمت أنّ عدد العرب يضاعف هذا العدد عشرات المرّات؟
شده الفتى يحيى وصمت، بينما استطرد أبو حسّان قائلاً: بل العجب العجاب يا ابن أخي أنّ عدد المسلمين الذين يعتبرهم اليهود أعداء لهم وضمن المواجهة، يضاعف العدد مئات المرّات. ويضاعف كلّ يهود العالم أضعافاً مضاعفة؟
إيش تقول يا ابني، يايحيى؟ يا سمي عياش؟
أجاب الفتى، وهو يحوقل ويتأوه: عش رجباً ترعجباً.
تدخل ناصر عدوان ليضيف: أضف يا سيدي أنّ إخواننا العرب، وأكثر منهم المسلمون، يتفوقون على الصهاينة بعديد من الإمكانات العسكرية والبشرية والاقتصادية والصناعية والتجارية والمالية وغيرها. فجيوشهم لا تسعها كلّ أرض فلسطين من الكثرة. وصواريخهم مع طائراتهم وقاذفاتهم تستطيع أن تدمّر ما على فلسطين أكثر من مرّة. وأموالهم تفوق أثرياء العالم. ناهيك عن نفطهم ومعادنهم ونفائسهم ومضايقهم وخلجانهم وبحارهم وجزرهم وأمواههم ... ومقدراتهم المختلفة.
لم يكن يحيى يعلم الكثير من هذه الأمور من قبل. فكر في أن ينقل هذه المعلومات إلى العديد من أترابه الفلسطينيين في المخيّم وفي المخيّمات الأخرى وعبر شبكة الاتصال العنكبوتية إلى من يحاورهم عبرها. وأن يستزيد أكثر عن بلاده فلسطين، التي تعلق بها واشتاق إليها كثيرًا، بالرغم من أنّه وُلد في المخيّم ونشأ فيه. ولكنّه أصرّ مع نفسه أنّه لابد من فلسطين. ولابدّ أن ينقل هذا الإحساس والإصرار إلى الآخرين.
حدّق أبو حسّان بنظره في ساعته العتيقة. وكأنّه ينبه إلى انتهاء وقت اللقاء. لوى كوفيته حول عنقه، وثبت عقالها على رأسه .
فطِن يحيى إلى ذلك، فاستعجل بخلاصة، أرادها أن تكون حاسمة للحديث الذي لم يرد له أن يذهب سدىً. وتوجه إلى الشبّان المتراصين حذاء أبي حسّان، وهو ينقل بصره وكلامه بينهم، فقال: لكلّ وجهة هو موليها. أمّا أنا فلا شأن لي بنيقوسيا ولا روما أو لندن. ولا حتى بدمشق أو الخليج. ولكن وجهتي إلى القدس والضفة. ثمّ إلى الجليل ويافا والنقب. ولو بقيت وحدي على هذا الموقف. لن أخفر ذِمَم من راحوا أو عجزوا. ولابدّ من ذلك .
قام الجميع للانصراف، فتصافحوا مصافحة الوداع، وكأنّهم يتعاهدون على عهد ووعد مؤمّل ومؤكّد.
التعليقات