مباحث شرعية
الظاهِرَةُ الشيْطانِيّة: إطْلالةٌ عَلى العَدُوّ (3)
قلم: ذ. عبد الوهاب الفغري
فضلاً عن الورود الكيفي والوصفي للشيطان، ولإبليس أيضًا، في الوحي الكريم. وذكر المصطلحين الشيطان وإبليس بالضمير، لتوضيح صفاته وأحواله وسلوكه .. فإنّ التوقف عند الورود الكمّي والعددي يعطي تصوّرات أخرى أو يزيد بعضها وضوحًا عند المهتمّ بالظاهرة الشيطانية والإبليسية.
فإذا ما انطلقنا من الزاوية الرقمية الحسابية باعتبار أنّه بقدر الكمّ العددي الذي يرد به المفهوم في القرآن، بقدر أهميته، سواء في الاتجاه الإيجابي أو الاتحاه السلبي. على هذا الاعتبار يجدر أن نعود إلى القرآن الحكيم لنطلع على الشيطان وكذا إبليس من حيث الورود العددي.
ويمكن إجراء المقارنة مع مفاهيم أخرى. ولكنّ الأمر سيتسع بكثير. ولتزداد الفائدة فإنّه من الأفضل تتبع هذه الأرقام حسب العلاقات بينها، وحسب مواقع الورود من سور وآيات أو ظروف التنزيل ..
بل قد نستعمل آليات علمية رياضية أو هندسية، فضلاً عن علم وفقه اللغة، والصوتيات أيضًا .. لنخرج بنتائج باهرة، لا تفيد على سبيل الإعجاز القرآني فقط ؛ ولكنّهت تتجاوز إلة معرفة أسرار وكُنه الشيطان وإبليس بشكل أكبر، وتقوية السبل لمقاومة الظاهرة التي تمحّن الإنسان في دنياه وفي أخراه.
تصير أمثال هذه البحوث في تاريخ الإنسانية وفي قدرها ليست طرائف علمية أو نوافل معرفية فحسب، ولكن فوائد تنفع في المصير الإنساني الذي لإبليس ولجنوده وذريّته الشياطين دورٌ كبيرٌ فيه.
في هذا الصدد من حيث ثقل الكلمة في المصيرالإنساني بناء على تواردها في القرآن المجيد، فإنّ الكلمة الأكثر ورودًا هي اسم الجلالة "الله" الذي ذكر 980 مرّة بحركة الرفع، و592 مرّة بحركة النّصب، و1225 مرّة بحركة الخفض. أيْ أنّ هذه الكلمة الجليلة قد ذكرت في القرآن المجيد: 2797 مرّة وهو أكبر رقم على الإطلاق.
بعد هذا الاسم الجليل نجد المصطلحات الأكثر تداولاً في الكتاب العزيز من أسماء الخالق وصفاته قد ذكرت بأعداد معتبرة، وفي طليعتها الرّحيم ومشتقات الرّحمة ثمّ الرّحمن. فكلمة الرّحيم وردت 95 مرّة، وكلمة رحيمًا 20 مرّة، والرّحمن 57 مرّة. ومعلوم أنّ الرّحيم هي خاصّة بالمؤمنين، والرّحمن عامّة بالمخلوقات تشمل حتى الكافرين.
أمّا عن الألوهية، فقد وردت لفظة إله 80 مرّة وإلهًا 16 مرّة وإلهكم 10 مرّات، ثمّ مضافة إليها ضمائر ببعض الأعداد المحدودة جدّاً.
وعن الربوبية، فقد وردت لفظة ربّ بمختلف الحركات 84 مرّة. وربّ مكسورة دون إظهار ياء المتكلم 67 مرّة وبإظهارها أي ربّي: 101 مرّة. ووردت ربّك 242 مرّة، وربّكم 119 مرّة، وربّنا 111 مرّة، وربّهم 125 مرّة، وربّه 76 مرّة،.. فضلاً عن اشتقاقات اخرى بنسب محدودة.
ومن المصطلحات المرتبطة بالإنسان والخلق والتكليف التي تداولت كثيرًا نذكر: اليوم: التي ذكرت 349 مرّة. ثمّ بالجمع وبصيغ الإضافة.
وذكرت الأرض بالرفع 34 مرّة وبالنّصب 86 مرّة وبالخفض 331 مرّة. يلاحظ أنّها مخفوظة وردت أكثر. وهذا ينسجم مع طبيعتها.
في مقابلها السماء ذكرت 120 مرّة، وهي مساوية تمامًا لعدد لفظ الأرض في موقع الرفع والنّصب، وهما حركتان تفيدان العلوّ (34 + 86 = 120). بينما في مقابلها ذكرت السماوات بصيغة الجمع 190 مرّة.
وذكرت مشتقات الإيمان بشكل كبير فمنها: مؤمنين وردت 144 مرّة، ومؤمنون 35 مرّة. وبصيغ المفرد بأعداد صغيرة جدّاً في المقابل.
وورد لفظ القرآن 58 مرّة واللفظ: قرآناً 10 مرّات.
أمّا لفظ الدّين فقد ورد 62 مرّة. وأمّا الإنسان فقد ورد ذكره 65 مرّة وبلفظ إنس 18 مرّة. وكلمة النّاس 241 مرّة. بينما ذكر الجنّ 22 مرّة واحدة وجنّ مرّة واحدة، وجان 7 مرّات، وجِنّة 10 مرّات ومجنون 11 مرّة.
أمّا الأنبياء فقد كان أكثرهم ورودًا موسى، عليه السلام، الذي ذكر باسمه 136 مرّة. ثمّ إبراهيم بـ 69 مرّة. ثمّ عيسى بن مريم. وذكر نوح 33 مرّة ونوحًا بالنّصب 10 مرّات. وفي هذه الأرقام وترتيبها دلالات بالنّسبة لهؤلاء الأنبياء الذين يمثلون أولي العزم مع نبيّنا محمّد عليه الصلاة والسلام. من هؤلاء الأنبياء من ذكر بنفس العدد نظرًا للتشابه في عدّة خصائص مثل آدم وعيسى.
وفي صدد المقارنة والمقابلة فقد ذكرت الدّنيا 115 مرّة وهو نفس العدد الذي ذكرت به الآخرة، علمًا أنّهما لم تجتمعا دائمًا في نفس الآية أو السياق. وذكر الموت 35 مرّة، بينما الحياة 71 مرّة معظمها بصيغة الحياة الدّنيا. وقد استثني في هذا العدد لفظ "حياة" بالتنكير في قوله تعالى: {ولتجِدَنّهُمْ أحْرَصَ النّاس على حياة ومِنَ الذينَ أشْركوا.} [البقرة: الآية 96] وهي صفة للحياة لا تشبه الصفات الأخرى. فيبقى العدد 70 وهو مضاعف لـ 35 عدد مرّات ورود الموت في القرآن الكريم.
اسم النّار ورد 136 مرّة بصيغة واحدة، حيث النّار ليس لها مثل تنوّع النّعيم في الجنّة. نجد أنّ الجنّة في المقابل ذكرت بصيغ متنوّعة لكنّها في المجموع وردت 136 مرّة أي نفس عدد ورود كلمة النّار. فقد ذكرت جنّة 66 مرّة، وجنّات 69 مرّة، وجنّتان مرّة واحدة.
أمّا إذا ذهبنا نستقرئ ذكر الشيطان في القرآن الحكيم من حيث الكمّ والكيف والمقارنة. فثمّة ملاحظات عدّة منها:
ـ أنّ صفاته اقترنت كلها بالسوء وبالصفات المذكورة سابقاً، كالتخفّي والكيد والتكبّر والغرور والإبلاس والتعجّل والوسوسة والصعف أيضًا.
ـ ورد ذكره في القرآن الكريم تعريفاً وتنكيرًا وإفرادًا وجمعًا. كما ورد بصيغة ضمير الغائب والمخاطب. وبالصفة أحيانًا مثل الغرور.
ـ ورد ذكر إبليس بعددٍ أقلّ من ذكر الشيطان. فقد ذكر بهذا الاسم 11 مرّة، وذكرت مبلسون 3 مرّات، ومبلسين مرّتين، ويبلس مرّة واحدة.
ـ ذكر الشيطان في السور المدنية. وعلى الخصوص: سورة النّساء بـ 7 مرّات. وسورة البقرة بـ 5 مرّات مع مرّة واحد بلفظ شياطينهم، ومرّتين بلفظ الشياطين؛ وسورة الأعراف بـ 6 مرّات، مع مرّتين بلفظ الشياطين.
ومن باب المقارنة والتقابل فقد ذكر الشيطان بهذا اللفظ 68 مرّة في سور مدنية. وهو نفس العدد تمامًا الذي ذكر به لفظ الملائكة بالتعريف والجمع. وقد ذكرت كلها أيضًا في السور المدنية. فوردت في سورة آل عمران 8 مرّات، وفي سورة البقرة 7 مرّات، وفي سورة الأعراف مرّة واحدة.
ومعلومٌ أنّ الملائكة تمثل المخلوق المنافي والمناقض للشيطان طبيعة ووظيفة.
إضافة إلى هذا ذكر لفظ شيطانًا 17 مرّة ولفظ الشياطين 17 مرّة أيضًا. بينما لفظ شياطينهم ورد مرّة واحدة.
وبالرغم من أنّ الشيطان والملائكة قد ذكرا بهذا العدد الكبير وبنفس الرقم فإنّهما لم يجتمعا في آية واحدة أو سياق واحد.