دعوة و تربية
ليلة القدر المباركة
إنّ رمضان الكريم وصيامه موسم خير كلّه، لا تكاد تحصى خيراته وبركاته، والأعظم في ذلك كله ليلة القدر المباركة. فهي الهدية العظمى والجائزة الكبرى من الخالق جلّت قدرته وتعالت إلى عباده المسلمين. وهي الليلة التي تنزل فيها القرآن العظيم هدى من الخالق لعباده إلى يوم القيامة. يقول سبحانه وتعالى (حم. والكتاب المبين. إنّا أنزلناه في ليلة مباركة. إنّا كنّا منذرين. فيها يفرق كل أمر حكيم. أمرًا من عندنا. إنّا كنّا مرسلين. رحمة من ربّك. إنّه هو السميع العليم) الدخان:الآيات من 1 إلى6 . فهي الليلة والظرف الذي ارتبط بهذا الحدث العظيم. من أعظم الأحداث بالنسبة للمصير الإنساني. ولموافقتها لهذا الحدث جعلها الواسع الكريم المنّان مفتوحة على الخيرات الوافرة غير المحدودة لعباده الصالحين. ثمّ نوّه بها الخالق تعالى عزّه في سورة خاصّة بها من كتابه العزيز، فقال: ( إنّا أنزلناه في ليلة القدر. وما أدراك ما ليلة القدر. ليلة القدر خير من ألف شهر. تنزّل الملائكة والروح فيها بإذن ربّهم من كل أمر. سلام هي حتى مطلع الفجر) القدر: الآيات. (وما أدراك ما ليلة القدر)؟! هذا الأسلوب الاستفهامي التعجبي، لا يرد في القرآن العظيم إلاّ بخصوص الأمور العظيمة جدّا. ومثل هذه الأمور لا تتعلّق، إلاّ بشؤون يوم القيامة، كيوم الدين، والحاقة، والقارعة. فكيف إذا ألحقت ليلة القدر بهذه العظائم؟! إنها تقع في رمضان، وفي فترة العتق من النار فيه، إذ أوّله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النّار، وفي العشر الأواخر منه وهي المعظمة منه، وفي أيّام الاعتكاف وليالي التهجّد.
إنّ بركات الشهر المبارك تتركز في العشر الأواخر منه. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعد لهذه الأيّام ولياليها استعدادًا خاصّا. فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال:) كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان(. متفق عليه. وعن عائشة رضي الله عنها أنّ النبي صلى الله عليه وسلم ( كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى) متفق عليه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: )كان النبيّ صلّى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيّام. فلمّا كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يومًا.( رواه البخاري.
وتحتوي الأيّام العشر الأخيرة من رمضان ليلة القدر العظيمة، من وافاها بالعبادة والعمل الصالح فقد وافق خيرًا كثيرًا وصفقة من أعظم صفقات العمر في الأجر. فهي خير من أي ليلة من أيّام السنة إلا أن تكون ليلة قدر سابقة لها أو لاحقة بها . بل هي خير من ألف شهر، أي من العمر بأكمله. فقد روى عديد من أئمّة الحديث عن أبي هريرة أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال ـ لما حضر رمضان ـ:) قد جاءكم شهر مبارك افترض عليكم صيامه تفتح فيه أبواب الجنّة وتغلق فيه أبواب الجحيم وتغل فيه الشياطين. فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرم خيرها فقد حُرم). رواه أحمد والنسائي والبيهقي,
وعن مزاياها ورد في الصحيحين عن أبي هريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه).
·2- ميقات ليلة القدر
وقد اختلف في تحديد ليلة القدر. فهناك حكمة إلهية في ذلك مثلما اختلف بشأن اسم الله الأعظم وتحديد أسماء الله الحسنى وساعة الاستجابة يوم الجمعة. ولعلّ السرّ في ذلك أن يجتهد المؤمن ولا يألو فينال وفرة الأجر والثواب:
والأرجح أنها ليلة السابع والعشرين. إلا أنها تختلف مع اختلاف المطالع، فقد تختلف من مكان لآخر. وقد يختلف موقعها من سنة لأخرى. وفي كل هذا حِكم إلهية لصالح الأمّة. والله أعلم.

3- الدعاء ليلة القدر
توجد ليلة القدر متضمنة في العشر الأواخر من شهر رمضان التي يُندب فيها التهجد والاعتكاف. والتي كان يجتهد لها النبي صلى الله عليه وسلم اجتهاداً خاصّاً يحيي فيه الليل كله، ويُوقظ أهله، ويشدّ مئزره. في صحيح مسلم: قالت عنه السيدة عائشة رضي الله عنها:) إنه كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها(.
عن الدعاء ليلة القدر، وعمّا يقول المؤمن، ورد من طرق مختلفة عن عبد الله بن بُريدة عن عائشة رضي الله عنها:
والدعاء بالعفو وبالعافية من أحب الأدعية إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان كثيراً ما يدعو بهما. ففي صحيح مسلم: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:) أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك(. وعند الإمام الشافعي رحمه الله: ( من شهد العشاء والفجر ليلة القدر فقد أخذ حظّه منها) .
عن كتاب "رمضان موسم الخيرات المتعددة" للأستاذ عبد الوهاب الفغري